أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ طَاهِرٌ ، لِأَنَّ الْخَبَرَيْنِ قَدْ تَعَارَضَا فَسَقَطَا وَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى حُكْمِ الْأَصْلِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَاءَ نَجِسٌ: لِأَنَّ الْخَبَرَ الْأَوَّلَ مُوجِبٌ لِتَنْجِيسِهِ وَالشَّهَادَةَ الْمُعَارِضَةَ لَهُ مُحْتَمَلَةٌ ، لِأَنَّ الْكِلَابَ قَدْ تَشْتَبِهُ ، وَلِأَنَّ تَعْيِينَ الْكِلَابِ فِي الْوُلُوغِ لَا يَلْزَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْمَزَنُيُّ:"وَاحْتَجَّ فِي جَوَازِ الْوُضُوءِ بِفَضْلِ مَا سِوَى الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ ؟ قَالَ:"نَعَمْ وَبِمَا أَفْضَلَتِ الْسِّبَاعُ كُلُّهَا"وَبِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فِي الْهِرَّةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ"وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الْصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:"إِذَا سَقَطَ الذُّبَابُ فِي الْإِنَاءِ فَامْقِلُوهُ"فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَحْيَاءِ نَجَاسَةٌ إِلَّا مَا ذَكَرْتُ مِنَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا سُؤْرُ الْحَيَوَانِ فَهُوَ مَا فَضَلَ فِي الْإِنَاءِ مِنْ شَرْبَةٍ وَالْبَاقِي مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُسَمَّى سُؤْرًا . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"إِذَا أَكَلْتُمْ فَأَسْئِرُوا"أَيْ: فَأَبْقُوا . وَقَالَ الشَّاعِرُ: بَانَتْ وَقَدْ أَسْأَرَتْ فِي النَّفْسِ حَاجَتَهَا بِتَلَاقٍ وَخَيْرُ الْقَوْلِ مَا نَفَعَا يَعْنِي قَدْ أَبْقَتْ فِي النَّفْسِ حَاجَتَهَا ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْحَيَوَانُ ضَرْبَانِ: طَاهِرٌ وَنَجِسٌ ، فَأَمَّا النَّجِسُ فَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي وُلُوغِهِ وَنَجَاسَةِ سُؤْرِهِ ، وَأَمَّا الطَّاهِرُ فَهُوَ مَا سِوَى الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَسُؤْرُ جَمِيعِهِ طَاهِرٌ مَأْكُولًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَمِنَ التَّابِعِينَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَسُؤْرُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ نَجِسٌ ، وَكَذَا لُعَابُهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: سُؤْرُ السِّبَاعِ نَجِسٌ لَا يُعْفَى عَنْهُ ، وَسُؤْرُ حَيَوَانِ الطِّينِ نَجِسٌ ، لَكِنْ يُعْفَى عَنْهُ وَسُؤْرُ الْهِرِّ وَحَشَرَاتِ الْأَرْضِ كُلِّهَا طَاهِرٌ ، وَسُؤْرُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ مَشْكُوكٌ فِيهِ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وُجُودِهِ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ بِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:"سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بِأَرْضِ الْفَلَاةِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ"