مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:"وَمَتَى شَاءَ رَبُّهُ أَخْذَ مَالِهِ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ وَمَتَى شَاءَ الْعَامِلُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْقِرَاضِ خَرَجَ مِنْهُ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عَقْدَ الْقِرَاضِ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ دُونَ اللَّازِمَةِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ رَبِّ الْمَالِ ، وَالْعَامِلِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْفَسْخِ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبِعْدَهُ مَعَ وُجُودِ الرِّبْحِ ، أَوْ حُدُوثِ الْخُسْرَانِ ، فَإِذَا فَسَخَهَا أَحَدُهُمَا انْفَسَخَتْ وَصَارَ كَاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى فَسْخِهَا ثُمَّ لَا يَخْلُو الْمَالُ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاضًّا ، أَوْ غَيْرَ نَاضٍّ . فَإِنْ كَانَ نَاضًّا مِنْ دَرَاهِمَ ، أَوْ دَنَانِيرَ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ دَرَاهِمَ وَرَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ ، أَوْ يَكُونَ دَنَانِيرَ وَرَأْسُ الْمَالِ دَنَانِيرَ ، فَالْعَامِلُ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِبَيْعٍ ، أَوْ شِرَاءٍ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْفَاسِخَ أَوْ رَبُّهُ ، ثُمَّ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ تَقَاسَمَاهُ عَلَى شَرْطِهِمَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ ، أَوْ كَانَ فِيهِ خُسْرَانٌ أَخَذَهُ رَبُّ الْمَالِ ، وَلَا شَيْءَ فِيهِ لِلْعَامِلِ . وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ دَرَاهِمَ وَرَأْسُ الْمَالِ دَنَانِيرَ ، أَوْ يَكُونَ دَنَانِيرَ وَرَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ فَحُكْمُ هَذَا كَحُكْمِهِ لَوْ كَانَ عَرْضًا . وَلَهُمَا فِي الْعَرْضِ بَعْدَ فَسْخِ الْقِرَاضِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى بَيْعِهِ فَيَلْزَمُ الْعَامِلَ أَنْ يَبِيعَهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ عَقْدِهِ فَإِذَا نَضَّ ثَمَنُهُ أَخَذَ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ وَتَقَاسَمَا فَضْلًا إِنْ كَانَ فِيهِ . وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَرْكِ بَيْعِهِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ فِي ثَمَنِهِ لَوْ بِيعَ فَضْلٌ فَقَدْ سَقَطَ حَقُّ الْعَامِلِ مِنْهُ وَصَارَ الْعَرْضُ مِلْكًا لِرَبِّ الْمَالِ بِزِيَادَتِهِ وَنَقْصِهِ ، فَإِنْ زَادَ ثَمَنُهُ بَعْدَ تَرْكِ الْعَامِلِ لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِي زِيَادَتِهِ لِخُرُوجِهِ بِالتَّرْكِ عَنْ قِرَاضِهِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي ثَمَنِهِ فَضْلٌ لَوْ بِيعَ عِنْدَ تَرْكِهِ فَيَنْظُرُ فِي تَرْكِ الْعَامِلِ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَهُ إِسْقَاطًا لِحَقِّهِ فَقَدْ صَارَ الْعَرْضُ بِزِيَادَتِهِ وَنَقْصِهِ مِلْكًا لِرَبِّ الْمَالِ ، وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَهُ تَأْخِيرًا لِبَيْعِهِ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ مِنْ فَضْلِ ثَمَنِهِ وَلَهُ بَيْعُهُ مَتَى شَاءَ . وَالْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَدْعُوَ الْعَامِلُ إِلَى بَيْعِهِ وَيَمْنَعَهُ رَبُّ الْمَالِ مِنْهُ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَرْجُوَ فِي ثَمَنِهِ فَضْلًا ، وَلَا يَأْمُلَ رِبْحًا فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ وَيُمْنَعُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِبَيْعِهِ شَيْئًا .