فهرس الكتاب

الصفحة 3158 من 8432

وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا حَدَثَ عَنْهُ مِنَ الرِّبْحِ مِلْكًا لِرَبِّهِ دُونَ غَاصِبِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا مَعًا نَمَاءٌ عَنْ مِلْكِهِ . وَالثَّانِي: أَنَّ كُلَّ سَبَبٍ مَحْظُورٍ تُوُصِّلَ بِهِ إِلَى مِلْكِ مَالٍ ، كَانَ ذَلِكَ السَّبَبُ الْمَحْظُورُ مَانِعًا مِنْ مِلْكِ ذَلِكَ الْمَالِ كَمِيرَاثِ الْقَاتِلِ لَمَّا كَانَ الْقَتْلُ مَحْظُورًا عَلَيْهِ مُنِعَ مِنَ الْمِيرَاثِ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ الْمِيرَاثُ ذَرِيعَةً إِلَى الْقَتْلِ . كَذَلِكَ الْغَاصِبُ لَمَّا كَانَ الْغَصْبُ مَحْظُورًا عَلَيْهِ مُنِعَ مِنْ أَنْ يَمْلِكَ الرِّبْحَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ الرِّبْحَ بِغَصْبِهِ لَصَارَ ذَرِيعَةً إِلَى الْغَصْبِ لِيَرُدَّ الْمَالَ بَعْدَ اسْتِفَادَةِ الرِّبْحِ ، فَهَذَا عَلَى وَجْهِ قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، أَنَّ الرِّبْحَ لِلْغَاصِبِ دُونَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ نَمَاءٍ حَدَثَ عَنْ سَبَبٍ كَانَ مِلْكُ ذَلِكَ النَّمَاءِ لِمَالِكِ ذَلِكَ السَّبَبِ ، وَرِبْحُ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ حَادِثٌ عَنِ التَّقَلُّبِ وَالْعَمَلِ دُونَ الْمَالِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِمَنْ لَهُ التَّقَلُّبُ ، وَالْعَمَلُ دُونَ مَنْ لَهُ الْمَالُ وَهُوَ الْغَاصِبُ دُونَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ . أَلَا تَرَى أَنَّ الثِّمَارَ ، وَالنِّتَاجَ لَمَّا كَانَتْ حَادِثَةً عَنِ الْمَالِ دُونَ الْعَمَلِ كَانَتْ لِمَنْ لَهُ الْمَالُ دُونَ مَنْ لَهُ الْعَمَلُ وَهُوَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ دُونَ الْغَاصِبِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْغَاصِبَ مَأْخُوذٌ بِمِثْلِ مَا اسْتَهْلَكَ بِغَصْبِهِ ، وَهُوَ إِنَّمَا اسْتَهْلَكَ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ دُونَ الرِّبْحِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ دُونَ الرِّبْحِ . فَهَذَا تَوْجِيهُ قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْغَاصِبِ فَحُكْمُ الْعَامِلِ إِذَا قَارَضَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُ بِالْقِرَاضِ غَاصِبٌ فَيَصِيرُ ضَامِنًا لِلْمَالِ ، وَفِي الرِّبْحِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْقَدِيمُ أَنَّ رِبْحَ الْمَغْصُوبِ لِرَبِّ الْمَالِ ، فَعَلَى هَذَا قَالَ الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا إِنَّ لِرَبِّ الْمَالِ نِصْفَ الرِّبْحِ ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ بَيْنَ الْعَامِلِ الْأَوَّلِ وَالْعَامِلِ الثَّانِي . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ: فَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ يَقُولُ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ جَمِيعُ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ رِبْحُ مَالٍ مَغْصُوبٍ فَأَشْبَهُ الْمَغْصُوبَ مِنْ غَيْرِ مُقَارَضَةٍ ، فَإِذَا أَخَذَ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ وَرِبْحَهُ كُلَّهُ رَجَعَ الْعَامِلُ الثَّانِي عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَهْلِكُ لِعَمَلِهِ وَالْعَامِلُ لَهُ بِقِرَاضِهِ . فَلَوْ تَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِ الْعَامِلِ الثَّانِي كَانَ رَبُّهُ بِالْخِيَارِ فِي الرُّجُوعِ بِرَأْسِ مَالِهِ وَجَمِيعِ رِبْحِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنَ الْعَامِلِ الْأَوَّلِ ، أَوِ الْعَامِلِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ ضَامِنٌ بِعُدْوَانِهِ ، وَالثَّانِي ضَامِنٌ بِيَدِهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت