تَضْمِينُ الْأُجَرَاءِ مِنَ الْإِجَارَةِ مِنْ كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:"الْأُجَرَاءُ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ ، وَمَا تَلِفَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ غَيْرِ جِنَايَتِهِمْ فَفِيهِ وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا الضَّمَانُ: لِأَنَّهُ أَخَذَ الْأَجْرَ ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لَا ضَمَانَ إِلَّا بِالْعُدْوَانِ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) هَذَا أَوْلَاهُمَا بِهِ: لِأَنَّهُ قَطَعَ بِأَنْ لَا ضَمَانَ عَلَى الْحَجَّامِ يَأْمُرُهُ الرَّجُلُ أَنْ يُحَجِّمَهُ ، أَوْ يَخْتِنَ غُلَامَهُ ، أَوْ يُبَيْطِرَ دَابَّتَهُ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا أَلْقَوْا عَنْ هَؤُلَاءِ الضَّمَانَ لَزِمَهُمْ إِلْقَاؤُهُ عَنِ الصُّنَّاعِ وَقَالَ مَا عَلِمْتُ أَنِّي سَأَلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا مِنْهُمْ . وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَى صَانِعٍ ، وَلَا أَجِيرٍ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَا أَعْرِفُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ ضَمِنَ الرَّاعِيَ الْمُنْفَرِدَ بِالْأُجْرَةِ . عِنْدِي فِي الْقِيَاسِ مِثْلُهُ ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ مَنْ يَخْبِزُ لَهُ خُبْزَا مَعْلُومًا فِي تَنُّورٍ أَوْ فُرْنٍ فَاحْتَرَقَ ، فَإِنْ كَانَ خُبْزُهُ فِي حَالٍ لَا يُخْبَزُ فِي مِثْلِهَا لِاسْتِعَارِ التَّنُّورِ ، أَوْ شِدَّةِ حَمْوِهِ ، أَوْ تَرْكِهِ تَرْكًا لَا يَجُوزُ فِي مِثْلِهِ ، فَهُوَ ضَامِنٌ وَإِنْ كَانَ مَا فَعَلَ صَلَاحًا لِمِثْلِهِ لَمْ يَضْمَنْ عِنْدَ مَنْ لَا يَضْمَنُ الْأَجِيرَ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ الْأُجَرَاءِ وَالصُّنَّاعِ ضَرْبَانِ: مُنْفَرِدٌ وَمُشْتَرِكٌ وَحُكْمُهُمَا يَخْتَلِفُ . وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ: إِنَّ الْأُجَرَاءَ كُلَّهُمْ سَوَاءٌ ؛ يَعْنِي بِهِ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرِكَ مَعَ اخْتِلَافِ صَنَائِعِهِمْ . فَأَمَّا الْأَجِيرُ الْمُنْفَرِدُ فَهُوَ الَّذِي يَكُونُ عَمَلُهُ فِي يَدِ مُسْتَأْجِرِهِ ؛ كَرَجُلٍ دَعَا صَانِعًا إِلَى مَنْزِلِهِ لِيَصُوغَ لَهُ حُلِيًّا ، أَوْ يَخِيطَ لَهُ ثُوبًا ، أَوْ يَخْبِزَ لَهُ خُبْزًا ، أَوْ يُبَيْطِرَ لَهُ فَرَسًا ، أَوْ يَخْتِنَ لَهُ عَبْدًا ، فَيَنْفَرِدُ الْأَجِيرُ بِعَمَلِهِ فِي مَنْزِلِ الْمُسْتَأْجِرِ ، فَهَذَا أَجِيرٌ مُنْفَرِدٌ سَوَاءٌ حَضَرَ الْمُسْتَأْجِرُ عَمَلَهُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ ، وَهَكَذَا لَوْ حَمَلَ الْمُسْتَأْجِرُ ثَوْبَهُ إِلَى دُكَّانِ الْأَجِيرِ لِيَخِيطَهُ أَوْ حَمَلَ إِلَيْهِ حُلِيَّهُ لِيَصُوغَهُ وَهُوَ حَاضِرٌ وَيَدُهُ عَلَى مَالِهِ ، فَهَذَا أَجِيرٌ مُنْفَرِدٌ ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي دُكَّانِهِ عَمَلٌ لِغَيْرِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَهَذَانِ النَّوْعَانِ عَلَى سَوَاءٍ فِي حُكْمِ الْأَجِيرِ الْمُنْفَرِدِ ، وَأَمَّا الْأَجِيرُ الْمُشْتَرِكُ فَهُوَ الَّذِي يَكُونُ عَمَلُهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ لِمُسْتَأْجِرِهِ مَعَ عَمَلِهِ لِمُسْتَأْجِرٍ آخَرَ كَالْقَصَّابِينَ وَالْخَيَّاطِينَ فِي حَوَانِيتِهِمْ ، فَأَمَّا الْأَجِيرُ الَّذِي يَكُونُ عَمَلُهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ مُنْفَرِدًا لِمُسْتَأْجِرٍ وَاحِدٍ لَا يُشْرِكُهُ بِغَيْرِهِ كَصَانِعٍ أَوْ خَيَّاطٍ يَعْمَلُ فِي دُكَّانِهِ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ وَلَا يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ وَمُسْتَأْجِرُهُ غَائِبٌ عَنْ عَمَلِهِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأَجِيرِ الْمُنْفَرِدِ ، أَوْ حُكْمَ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرِكِ ؟ فَحُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ: أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْأَجِيرِ الْمُنْفَرِدِ لِاخْتِصَاصِهِ بِمُسْتَأْجِرٍ وَاحِدٍ وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَغْدَادِيِّينَ: إِنَّهُ فِي حُكْمِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرِكِ إن تلف المال لِاخْتِصَاصِهِ بِالْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ .