لَا يَقْدِرُ عَلَى حَفْرِهَا ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ أُجْرَتِهَا: بِمَاذَا يَكُونُ مُعْتَبِرًا ؟ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُقَوَّمُ أُجْرَةُ مَا حَفَرَ وَأُجْرَةُ مَا تَرَكَ ، ثُمَّ تُقَسَّطُ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ عَلَيْهَا ، فَمَا قَابَلَ الْمَحْفُورَ فَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ ، وَلَا يَتَقَسَّطُ عَلَى عَدَدِ الْأَذْرُعِ لَا خِلَافَ مَا بَيْنَ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ . مِثَالُهُ: أَنْ يُسْتَأْجَرَ عَلَى حَفْرِ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ فِي دُورٍ مَعْلُومٍ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا ، فَيَحْفِرَ خَمْسَ أَذْرُعٍ وَيَتْرُكَ خَمْسًا ، فَيُقَالُ: كَمْ تُسَاوِي أُجْرَةُ الْخَمْسِ الْمَحْفُورَةِ ؟ فَإِنْ قِيلَ: خَمْسَةُ دَرَاهِمَ . قِيلَ: وَكَمْ تُسَاوِي أُجْرَةُ الْخَمْسِ الْمَتْرُوكَةِ ؟ فَإِنْ قِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا ، جَمَعْتُهُمَا وَجَعَلْتُ كُلَّ خَمْسَةٍ سَهْمًا فَيَكُونُ جَمِيعُ السِّهَامِ أَرْبَعَةً ، ثُمَّ قَسَّمْتُ الثَّلَاثِينَ الَّتِي هِيَ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ ، يَخْرُجُ لِلسَّهْمِ الْوَاحِدِ سَبْعَةُ دَرَاهِمَ وَنِصْفٌ وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِالْخَمْسِ الْمَحْفُورَةِ . فَإِنْ قِيلَ: تُسَاوِي أُجْرَةُ الْخَمْسِ الْمَحْفُورَةِ عَشَرَةً ، وَتُسَاوِي أُجْرَةُ الْخَمْسِ الْمَتْرُوكَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا ، جَعَلْتُ كُلَّ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ سَهْمًا فَتَكُونُ السِّهَامُ كُلُّهَا خَمْسَةً ، ثُمَّ قَسَّمْتُ الثَّلَاثِينَ الْمُسَمَّاةَ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ يُخْرِجُهُ لِكُلِّ سَهْمٍ سِتَّةَ دَرَاهِمَ ، فَيَسْتَحِقُّ بِالْخَمْسَةِ الْمَحْفُورَةِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا: لِأَنَّ قِسْطَ مَا حُفِرَ سَهْمَانِ . فَإِنْ قِيلَ: تُسَاوِي أُجْرَةُ الْخَمْسِ الْمَحْفُورَةِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَأُجْرَةُ الْخَمْسِ الْمَتْرُوكَةِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا ، جَعَلْتُ كُلَّ عَشَرَةٍ سَهْمًا فَتَكُونُ السِّهَامُ كُلُّهَا سِتَّةً ، ثُمَّ قَسَّمْتُ الثَّلَاثِينَ عَلَيْهَا يُخْرِجُ لِكُلِّ سَهْمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِالْخَمْسَةِ الْمَحْفُورَةِ . لِأَنَّ قِسْطَ عَمَلِهِ سَهْمٌ وَاحِدٌ ، ثُمَّ عَلَى هَذِهِ الْمَبَرَّةِ ، فَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ قِيَاسُ أُصُولِهِ فِيمَا لَا يَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهُ .
فَصْلٌ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَضَاعُفُ الْأَذْرُعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا بِعَدَدِ مَسَافَتِهَا ، ثَمَّ تُقَسَّمُ الْأُجْرَةُ عَلَى مَا اجْتَمَعَ مِنْهَا ، فَمَا خَرَجَ لِكُلِّ ذِرَاعٍ فَهُوَ قَدْرُ أُجْرِتِهِ . مِثَالُهُ: أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَى حَفْرِ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا ، فَيَجْعَلَ الذِّرَاعَ الْأُولَى ذِرَاعًا وَاحِدًا: لِأَنَّ نَقْلَ تُرَابِهَا مِنْ ذِرَاعٍ وَاحِدٍ ، وَيَجْعَلَ الذِّرَاعَ الثَّانِيَةَ ذِرَاعَيْنِ: لِأَنَّ نَقْلَ تُرَابِهَا مِنْ ذِرَاعَيْنِ ، وَيَجْعَلَ الذِّرَاعَ الثَّالِثَةَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ: لِأَنَّ نَقْلَ تُرَابِهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ ، وَيَجْعَلَ الذِّرَاعَ الرَّابِعَةَ أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ: لِأَنَّ نَقْلَ تُرَابِهَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ ، وَيَجْعَلَ الذِّرَاعَ الْخَامِسَةَ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ: لِأَنَّ نَقْلَ تُرَابِهَا مِنْ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ ، ثُمَّ يَجْعَلَ ذِرَاعًا وَذِرَاعَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا وَخَمْسًا ، فَتَكُونُ خَمْسَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا وَهِيَ مَسَافَةُ مَا اسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَذْرُعِ الْخَمْسِ ، ثُمَّ يُقَسِّمُ الْأُجْرَةَ الْمُسَمَّاةَ عَلَيْهَا وَهِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا يَكُونُ قِسْطُ كُلِّ ذِرَاعٍ دِرْهَمًا ، فَإِنْ حَفَرَ ذِرَاعًا وَاحِدًا اسْتَحَقَّ دِرْهَمًا وَاحِدًا . ثُمَّ إِنْ حَفَرَ ذِرَاعَيْنِ اسْتَحَقَّ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ: لِأَنَّ الْأُولَى ذِرَاعٌ ، وَالثَّانِيَةَ ذِرَاعَانِ صَارَا ثَلَاثًا ، وَإِنْ حَفَرَ ثَلَاثَ أَذْرُعٍ اسْتَحَقَّ سِتَّةَ دَرَاهِمَ: لِأَنَّ الْأُولَى ذِرَاعٌ ، وَالثَّانِيَةَ ذِرَاعَانِ ، وَالثَّالِثَةَ ثَلَاثٌ صَارَ الْجَمِيعُ سِتًّا ، فَإِنْ حَفَرَ أَرْبَعَ أَذْرُعٍ اسْتَحَقَّ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ: لِأَنَّ الْأُولَى ذِرَاعٌ ، وَالثَّانِيَةَ ذِرَاعَانِ ، وَالثَّالِثَةَ ثَلَاثٌ ، وَالرَّابِعَةَ أَرْبَعٌ صَارَ الْجَمِيعُ عَشْرًا ، فَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ: لِأَنَّ مَسَافَةَ الْأَذْرُعِ إِذَا ضُوعِفَتْ مُتَسَاوِيَةً ، فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ عَلَى مَبْلَغِ عَدَدِهَا مُقَسَّطَةً .