فهرس الكتاب

الصفحة 3285 من 8432

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ وحكم كل حالة مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ ، وَمَا أَشْبَهَهَا فَيَجُوزُ لَهُ - بِوِفَاقِ دَاوُدَ - أَنْ يَزْرَعَهَا الْحِنْطَةَ وَغَيْرَ الْحِنْطَةِ ؛ مِمَّا يَكُونُ ضَرَرُهُ مِثْلَ ضَرَرِ الْحِنْطَةِ أَوْ أَقَلَّ ، إِلَّا أَنَّ دَاوُدَ يُجِيزُهُ بِالشَّرْطِ ، وَنَحْنُ نُجِيزُهُ بِالْعَقْدِ ، وَالشَّرْطُ تَأْكِيدٌ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ ، وَيُغْفِلَ ذِكْرَ مَا سِوَى الْحِنْطَةِ ، فَهَذَا الْقِسْمُ الَّذِي خَالَفَ فِيهِ دَاوُدُ ، فَمَنَعَهُ مِنْ زَرْعِ غَيْرِ الْحِنْطَةِ ، وَيَجُوزُ لَهُ عِنْدَنَا أَنْ يَزْرَعَهَا غَيْرَ الْحِنْطَةِ مِمَّا ضَرَرُهُ كَضَرَرِ الْحِنْطَةِ أَوْ أَقَلُّ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ عَلَى أَنْ لَا يَزْرَعَ مَا سِوَاهَا ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْإِجَارَةَ بَاطِلَةٌ: لِأَنَّهُ شَرَطَ فِيهَا مَا يُنَافِي مُوجِبَهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْإِجَارَةَ جَائِزَةٌ ، وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ ، وَلَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا الْحِنْطَةَ وَغَيْرَ الْحِنْطَةِ: لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّ الْمُؤَجِّرِ فَأُلْغِيَ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِجَارَةَ جَائِزَةٌ ، وَالشَّرْطَ لَازِمٌ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا غَيْرَ الْحِنْطَةِ: لِأَنَّ مَنَافِعَ الْإِجَارَةِ إِنَّمَا تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ عَلَى مَا سُمِّيَ فِيهِ ، أَلَا تَرَاهُ لَوِ اسْتَأْجَرَهَا لِلزَّرْعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْغَرْسُ ، فَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَأْجَرَهَا لِنَوْعٍ مِنَ الزَّرْعِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:"وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِهَا مِثْلَ عُرُوقٍ تَبْقَى فِيهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَرَبُّ الْأَرْضِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ الْكِرَاءَ ، وَمَا نَقَصَتِ الْأَرْضُ عَمَّا يُنْقِصُهَا زَرْعُ الْقَمْحِ ، أَوْ يَأْخُذُ مِنْهُ كِرَاءَ مِثْلِهَا ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - تُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ أَوْلَى: لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا اكْتَرَى وَزَادَ عَلَى الْمُكْرِي ضَرَرًا كَرَجُلٍ اكْتَرَى مَنْزِلًا يُدْخِلُ فِيهِ مَا يَحْمِلُ سَقْفُهُ ، فَحَمَلَ فِيهِ أَكْثَرَ ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالْمَنْزِلِ ، فَقَدِ اسْتَوْفَى سُكْنَاهُ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ ضَرَرِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوِ اكْتَرَى مَنْزِلًا سُفْلًا فَجَعَلَ فِيهِ الْقَصَّارِينَ أَوِ الْحَدَّادِينَ ، فَتَقَلَّعَ الْبِنَاءُ ، فَقَدِ اسْتَوْفَى مَا اكْتَرَاهُ وَعَلَيْهِ بِالتَّعَدِّي مَا نَقَصَ بِالْمَنْزِلِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَغْرِسَهَا ، وَلَا أَنْ يَزْرَعَهَا مَا هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنَ الْحِنْطَةِ فما الحكم لو زرعها بما هو أكثر ضررا هل يضمن ؟ كَالدَّخَنِ وَالْكَتَّانِ وَالذُّرَةِ ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ تَعَدَّى ، وَيُؤْخَذُ بِقَلْعِ زَرْعِهِ: لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ فَصَارَ كَالْغَاصِبِ ، وَهَلْ يَصِيرُ بِذَلِكَ ضَامِنًا لِرَقَبَةِ الْأَرْضِ حَتَّى يَضْمَنَ قِيمَتَهَا إِنْ غُصِبَتْ ، أَوْ تَلِفَتْ بِسَيْلٍ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ: أَنَّهُ يَضْمَنُهَا: لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ - بِالْعُدُولِ عَمَّا اسْتَحَقَّهُ - غَاصِبًا ، وَالْغَاصِبُ ضَامِنٌ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت