فهرس الكتاب

الصفحة 3305 من 8432

الصَّرِيمَةِ وَالْغَنِيمَةِ يَأْتِينِي بِعِيَالِهِ فَيَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَتَارِكُهُمْ أَنَا ؟ لَا أَبَا لَكَ ، فَالْكَلَأُ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنَ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ، وَايْمُ اللَّهِ نُودِيَ أَنِّي قَدْ طَلَحْتُهُمْ إِنَّمَا أَكْلَأُهُمْ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا . فَأَمَّا قَوْلُهُ: الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءٌ فِي ثَلَاثٍ فَهُوَ عَامٌّ خَصَّ مِنْهُ الْحِمَى عَلَى أَنَّ الْحِمَى يُشْرَكُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ: لِأَنَّ نَفْعَ الْحِمَى يَعُودُ عَلَى كَافَّتِهِمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ ، أَمَّا الْفُقَرَاءُ فَلِأَنَّهُ مَرْعَى صَدَقَاتِهِمْ ، وَأَمَّا الْأَغْنِيَاءُ فَلِخَيْلِ الْمُجَاهِدِينَ عَنْهُمْ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ . فَمَعْنَاهُ لَا حِمَى إِلَّا أَنْ يُقْصَدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُسَلِّمُ فِيمَا حَمَاهُ لِلْفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي مَصَالِحِهِمْ ، وَخَالَفَ فِيهِ فِعْلَ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَإِنَّ الْعَرَبِيَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى بَلَدٍ أَوْفَى بِكَلْبٍ فَجَعَلَهُ عَلَى جَبَلٍ ، أَوْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْوَاهُ ، فَحَيْثُ انْتَهَى عُوَاهُ حَمَاهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَرْعَى فِيهِ غَيْرُهُ وَيُشَارِكُ النَّاسَ فِيمَا سِوَاهُ ، وَهَكَذَا كَانَ كُلَيْبُ بْنُ وَائِلٍ إِذَا أَعْجَبَتْهُ رَوْضَةٌ أَلْقَى فِيهَا كَلْبًا وَحَمَى إِلَى مُنْتَهَى عُوَائِهِ ، وَفِيهِ يَقُولُ مَعْبَدُ بْنُ شُعْبَةَ الضَّبِّيُّ: كَفِعْلِ كُلَيْبٍ كُنْتُ أُنْبِئْتُ أَنَّهُ مُخَطَّطٌ أَكَلَأَ الْمِيَاهَ وَيَمْنَعُ وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: كَمَا بَغِيَهَا كُلَيْبٌ لِظُلْمَةٍ مِنَ الْعِزِّ حَتَّى ضَاعَ وَهُوَ قَتْلُهَا عَلَى وَائِلٍ أَنْ يَتْرُكَ الْكَلْبَ هَائِجًا وَإِذْ يَمْنَعُ الْإِكْلَأَ مِنْهَا حَوْلَهَا

فَصْلٌ: وَأَمَّا حِمَى الْوَاحِدِ مِنْ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ وبيان حكمه فَمَحْظُورٌ وَحِمَاهُ مُبَاحٌ: لِأَنَّهُ إِنْ حَمَى لِنَفْسِهِ فَقَدْ تَحَكَّمُ وَتَعَدَّى بِمَنْعِهِ ، وَإِنْ حَمَاهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِمْ ، وَلَا فِيمَنْ يُؤْثَرُ اجْتِهَادُهُ لَهُمْ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو هَانِئٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: لَا تُمَانِعُوا فَضْلَ الْمَاءِ ، وَلَا فَضْلَ الْكَلَأِ ، فَيُعْزَلَ الْمَاءُ وَيَجُوعَ الْعِيَالُ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ حَمَى مَوَاتًا ، وَمَنَعَ النَّاسَ مِنْهُ زَمَانًا رَعَاهُ وَحْدَهُ ، ثُمَّ ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ ، وَرَفَعَ يَدَهُ عَنْهُ ، وَلَمْ يُغَرِّمْ مَا رَعَاهُ: لِأَنَّهُ لَيْسَ لِمَالِكٍ ، وَلَا يُعَزِّرُهُ: لِأَنَّهُ أَحَدُ مُسْتَحِقِّيهِ وَنَهَاهُ عَنْ مِثْلِ تَعَدِّيهِ ، فَأَمَّا أَمِيرُ الْبَلَدِ وَوَالِي الْإِقْلِيمِ إِذَا رَأَى أَنْ يَحْمِيَ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَالْإِمَامِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ: لِأَنَّ اجْتِهَادَ الْإِمَامِ أَعَمُّ ، وَلَكِنْ لَوْ أَنَّ وَالِيَ الصَّدَقَاتِ اجْتَمَعَتْ مَعَهُ مَوَاشِي الصَّدَقَةِ وَقَلَّ الْمَرْعَى لَهَا وَخَافَ عَلَيْهَا التَّلَفَ إِنْ لَمْ يَحْمِ الْمَوَاتَ لَهَا ، فَإِنْ مَنَعَ الْإِمَامُ مِنَ الْحِمَى كَانَ وَالِي الصَّدَقَاتِ أَوْلَى ، وَإِنْ جَوَّزَ الْإِمَامُ الْحِمَى فَفِي جَوَازِهِ لِوَالِي الصَّدَقَاتِ عِنْدَمَا ذَكَرْنَا مِنْ حُدُوثِ الضَّرُورَةِ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ الضَّرُورَةِ ، فَعَلَى هَذَا يَتَعَزَّرُ الْحِمَى بِزَمَانِ الضَّرُورَةِ ، وَلَا يَسْتَدِيمُ بِخِلَافِ حِمَى الْإِمَامِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِيَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ الضَّرَرَ عَنْ أَمْوَالِ الْفُقَرَاءِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت