فهرس الكتاب

الصفحة 3309 من 8432

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَاءَ قَدْ يُصَرَّفُ عَنْ أَرْضٍ إِلَى أُخْرَى وَيُسَاقُ إِلَيْهَا مَاءُ أَرْضٍ أُخْرَى . وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَرَاجَ مَضْرُوبٌ عَلَى الْأَرْضِ دُونَ الْمَاءِ ، وَالْعُشْرَ مُسْتَحَقٌّ فِي الزَّرْعِ دُونَ الْأَرْضِ وَالْمَاءِ إِذَا كَانَ الْمَاءُ فَرْعًا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحَدُ الْحَقَّيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْتَبَرَ بِهِ وَاحِدٌ مِنَ الْحَقَّيْنِ .

فَصْلٌ: وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ حَفْرَ بِئْرٍ بِالْبَادِيَةِ ، فَإِحْيَاؤُهَا يَكُونُ بِحَفْرِهَا حَتَّى يَصِلَ إِلَى مَائِهَا ، فَمَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ فَالْإِحْيَاءُ غَيْرُ تَامٍّ فما الحكم إن وصل إلى الماء ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَى الْمَاءِ نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ صُلْبَةً لَا تَحْتَاجُ إِلَى طَيٍّ فَقَدْ كَمُلَ الْإِحْيَاءُ وَتَمَّ الْمِلْكُ ، وَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ رَخْوَةً لَا تَسْتَغْنِي عَنْ طَيٍّ صَارَ الطَّيُّ مِنْ كَمَالِ الْإِحْيَاءِ ، فَمَا لَمْ يُطْوَ فَالْإِحْيَاءُ لَمْ يَكْمُلْ ، فَإِذَا كَمُلَ الْإِحْيَاءُ نُظِرَ ، فَإِنْ حَفَرَهَا لِلسَّابِلَةِ صَارَتْ سَبِيلًا عَلَى ذِي كَبِدٍ حَيٍّ مِنْ آدَمِيٍّ ، أَوْ بَهِيمَةٍ ، وَيَكُنْ حَافِرُهَا كَأَحَدِهِمْ ، فَقَدْ وَقَفَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِرَدْمِهِ فَكَانَ يَغْتَرِفُ بِدَلْوِهِ مَعَ النَّاسِ ، وَإِنْ حَفَرَهَا لِنَفْسِهِ فَقَدْ مَلَكَهَا وَحَرِيمَهَا ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ فَضْلَ مَائِهَا ، فَلَوْ أَرَادَ سَدَّهَا مُنِعَ مِنْهُ ، لِمَا تَعَلَّقَ بِفَضْلِ مَائِهَا مِنْ حُقُوقِ السَّابِلَةِ ، وَهَكَذَا لَوْ حَفَرَ نَهْرًا أَوْ سَاقَ عَيْنًا ، كَانَ فِي حُكْمِ الْبِئْرِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:"وَلَهُ مَرَافِقُهَا الَّتِي لَا يَكُونُ صَلَاحُهَا إِلَّا بِهَا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَكَذَا كَمَا قَالَ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا فَقَدْ مَلَكَهَا وَحَرِيمَهَا بِدَلِيلِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَلَى دَاوُدَ فِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ عَنِ الْكَافَّةِ فِي إِبْطَالِ الْحَرِيمِ ، فَإِذَا كَانَ حَرِيمُ الْأَرْضِ مِنْ حُقُوقِهَا فَهُوَ عِنْدَنَا مُعْتَبَرٌ بِالْعُرْفِ فِيمَا لَا تَسْتَغْنِي الْأَرْضُ عَنْهُ مِنْ مَرَافِقِهَا وَلَيْسَ بِحُدُودٍ ، فَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ الْمُحَيَّاةُ كَانَ حَرِيمُهَا طَرَفَهَا وَمَفِيضَ مَائِهَا ، وَيَبْدُرُ زَرْعُهَا ، وَمَا لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ مِنْ مَرَافِقِهَا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: حَرِيمُهَا مَا لَمْ يَبْلُغْهُ مَاؤُهَا وَبَعُدَ مِنْهَا . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: حَرِيمُهَا مَا انْتَهَى إِلَيْهَا صَوْتُ الْمُنَادِي مِنْ حُدُودِهَا ، وَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ تَرْكِيبٌ لِقَدْرٍ لَمْ يَرْكَبْهُ شَرْعٌ ، وَلَا اقْتَضَاهُ مَعْهُودٌ ، وَلَا أَوْجَبَهُ قِيَاسٌ ، وَلَيْسَ لِمَا لَمْ يُوجِبْهُ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا بِالْعُرْفِ فِيمَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ .

فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْمُحَيَّا دَارًا فَحَرِيمُهَا طَرِيقُهَا وَفِنَاؤُهَا ، وَلِمَا مُصِّرَتِ الْبَصْرَةُ وَجُعِلَتْ خُطَطًا لِقَبَائِلِ أَهْلِهَا ، جُعِلَ عَرْضُ كُلِّ شَارِعٍ مِنْ شَوَارِعِهَا عِشْرِينَ ذِرَاعًا إِلَّا الْأَعْظَمَ مِنْ شَوَارِعِهَا فَإِنَّهُمْ جَعَلُوهُ سِتِّينَ ذِرَاعًا ، وَجَعَلُوا عَرْضَ كُلِّ زُقَاقٍ تِسْعَ أَذْرُعٍ ، وَجَعَلُوا فِي وَسَطِ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَحَبَةً فَسِيحَةً لِمَرَابِطِ خَيْلِهِمْ وَمَقَابِرِ مَوْتَاهُمْ ، وَقَدْ رَوَى بَشِيرُ بْنُ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا اخْتَلَفَ الْقَوْمُ فِي طَرِيقٍ فَلْيُجْعَلْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ ، وَهَذَا إِنَّمَا قَالَهُ اخْتِيَارًا لَا حَتْمًا: لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ حَدًّا فِيمَا أَحْيَاهُ لِأَصْحَابِهِ بِالْمَدِينَةِ .

فَصْلٌ: وَأَمَّا الْبِئْرُ وَالنَّهْرُ ، فَحَرِيمُهَا مُعْتَبَرٌ بِالْعُرْفِ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ ، وَكَذَلِكَ الْعَيْنُ وَهُوَ قَدْرُ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فِيمَا حَوْلَهَا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: حَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ ، وَحَرِيمُ بِئْرِ النَّاضِجِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت