فهرس الكتاب

الصفحة 3358 من 8432

تَسْلِيمِ الْأَصْلِ لَمْ يَضْمَنْهُ وَيَكُونُ اسْتِهْلَاكُهُ رُجُوعًا فِيهِ أَنْ لَوْ كَانَ هِبَةً ، وَلَوِ اسْتَهْلَكَهُ وَقَدْ حَدَثَ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْأَصْلِ ضَمِنَهُ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا الْهَدَايَا فَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِلْهِبَاتِ فِي حُكْمِهَا: لِأَنَّ فِي الْهِبَةِ عَقْدًا بِالْقَوْلِ يَفْتَقِرُ إِلَى بَدَلٍ وَقَبُولٍ ، وَلَيْسَ فِي الْهِبَةِ عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إِلَى بَدَلٍ وَقَبُولٍ ، بَلْ إِذَا دَفَعَهَا الْمُهْدِي إِلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ فَقَبِلَهَا مِنْهُ بِالرِّضَا وَالْعَقْدِ فَقَدْ مَلَكَهَا ، وَهَكَذَا لَوْ أَرْسَلَهَا الْمُهْدِي مَعَ رَسُولِهِ جَازَ لِلْمُهْدَى إِلَيْهِ إِذَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُ الرَّسُولِ أَنْ يَقْبَلَهَا ، فَإِذَا أَخَذَهَا مِنَ الرَّسُولِ ، أَوْ أَذِنَ لِغُلَامِهِ فِي أَخْذِهَا مِنَ الرَّسُولِ ، أَوْ قَالَ لِلرَّسُولِ: ضَعْهَا مَوْضِعَهَا ، اسْتَقَرَّ مِلْكُ الْمُهْدَى إِلَيْهِ الْهِبَةَ ، فَلَوْ قَالَ الْمُرْسِلُ: لَمْ أُنْفِذْهَا هَدِيَّةً وَكَذَبَ الرَّسُولُ بَلْ أَنْفَذْتُهَا وَدِيعَةً ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ ، وَالْهَدَايَا تَخْتَصُّ بِالْمَأْكُولَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا ، وَالْهِبَاتُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا ، وَالْعُرْفُ فِي ذَلِكَ قُوَى شَاهَدٍ وَأَظْهَرُ دَلِيلٍ ، فَإِنْ كَانَتِ الْهَدِيَّةُ فِي طَرَفٍ فَإِنْ كَانَ الطَّرَفُ مِمَّا لَمْ تُجْرِيهِ الْعَادَةُ بِاسْتِرْجَاعِهِ مِثْلَ قَوَاصِرِ التَّمْرِ وَالْفَوَاكِهِ وَقَوَارِيرِ مَاءِ الْوَرْدِ وَالْأَزْهَارِ إِذَا كَانَتْ سَقْفًا فَهِيَ مَمْلُوكَةٌ مَعَ الْهَدِيَّةِ: لِأَنَّ الْعُرْفَ لَمْ يَجْرِ بِاسْتِرْجَاعِهَا ، وَإِنْ كَانَتِ الطُّرُوفُ كَالطَّيَافِيرِ الْمَدْهُونَةِ ، وَالْفَضَارِ ، وَالزُّجَاجِ الْمُحْكَمِ ، وَمَا شَاكَلَهُ مِمَّا جَرَى الْعُرْفُ بِاسْتِرْجَاعِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ مَعَ الْهَدِيَّةِ ، وَلِلْمُهْدِي بَعْدَ إِرْسَالِ الْهَدِيَّةِ أَنْ يَسْتَرْجِعَهَا مَا لَمْ تَصِلْ إِلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَعَتْ إِلَيْهِ هَدِيَّتُهُ إِلَى النَّجَاشِيِّ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَيْهِ فَمَلَكَهَا .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:"وَيَقْبِضُ لِلطِّفْلِ أَبُوهُ ، نَحَلَ أَبُو بَكْرٍ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - جِدَادَ عِشْرِينَ وَسْقًا ، فَلَمَّا مَرِضَ قَالَ: وَدِدْتُ أَنَّكِ كُنْتِ قَبَضْتِيهِ ، وَهُوَ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ ( وَمِنْهَا ) بَعْدَ الْوَفَاةِ الْوَصَايَا وَلَهُ إِبْطَالُهَا مَا لَمْ يَمُتْ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ تَجُوزُ الْهِبَةُ لِكُلِّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ الْمِلْكُ مِنْ طِفْلٍ ، أَوْ مَجْنُونٍ ، أَوْ سَفِيهٍ إِلَّا أَنَّ السَّفِيهَ يَصِحُّ أَنْ يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ ، وَالطِّفْلَ وَالْمَجْنُونَ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا قَبُولُ الْهَدِيَّةِ: لِأَنَّ لِقَوْلِ السَّفِيهِ حُكْمًا وَلَيْسَ لِقَوْلِ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ حُكْمٌ ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَالْقَابِلُ لِلطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ وَلِيُّهُمَا مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ أَمِينٍ حَاكِمٍ وَهُوَ الْقَابِضُ لَهُمَا بَعْدَ الْقَبُولِ ، وَأَمَّا السَّفِيهُ فَهُوَ الْعَائِلُ وَوَلِيُّهُ هُوَ الْقَابِضُ فَإِنْ قَبَضَهَا السَّفِيهُ تَمَّتِ الْهِبَةُ أَيْضًا ، وَلَوْ قَبَضَهَا الطِّفْلُ وَالْمَجْنُونُ لَمْ تَتِمَّ الْهِبَةُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ فَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ لِلطِّفْلِ أَبَاهُ فَهَلْ يَحْتَاجُ فِي عَقْدِ الْهِبَةِ إِلَى لَفْظٍ بِالْبَدَلِ وَالْقَبُولِ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بَلْ يَنْوِي بِهِ: لِأَنَّهُ يَكُونُ مُخَاطِبًا نَفْسَهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُرِيدُ مَنْ عَقَدَ بِالْقَبُولِ ، فَيَبْذُلُ مِنْ نَفْسِهِ لِابْنِهِ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ فِي الْبَذْلِ وَالْإِقْبَاضِ شَائِبًا عَنْ نَفْسِهِ ، وَفِي الْقَبُولِ وَالْقَبْضِ نَائِبًا عَنِ ابْنِهِ ، فَأَمَّا أَمِينُ الْحَاكِمِ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ قَابِلٌ وَيَقْبِضَهُ مِنْهُ قَابِضٌ ، وَكَذَلِكَ وَصِيُّ الْأَبِ وَهُمَا مَعًا بِخِلَافِ الْأَبِ كَمَا خَالَفَاهُ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ .

فَصْلٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمِنْهَا بَعْدَ الْوَفَاةِ الْوَصَايَا ، وَلَهُ إِبْطَالُهَا مَا لَمْ يُثْبِتْ وَهَذَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت