فهرس الكتاب

الصفحة 3363 من 8432

وَالْفَرْقُ الثَّانِي: وَهُوَ فَرْقُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ شُرُوطَ الْبَيْعِ تُقَابِلُ جَزَاءً مِنَ الثَّمَنِ ، فَإِذَا بَطَلَتْ سَقَطَ مَا قَابَلَهَا مِنْهُ فَأَفْضَى إِلَى جَهَالَةِ الثَّمَنِ ؛ فَلِذَلِكَ بَطَلَ الْبَيْعُ بِهَذَا الشَّرْطِ وَلَيْسَ فِي الْعُمْرَى ثَمَنٌ يَقْضِي هَذَا الشَّرْطُ إِلَى جَهَالَتِهِ ؛ فَلِذَلِكَ صَحَّتْ مَعَ الشُّرُوطِ . فَأَمَّا رِوَايَةُ جَابِرٍ أَنَّهُ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ مَعَ بَاقِي الرِّوَايَاتِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي هِيَ عَلَى الْعُمُومِ إِذْ لَيْسَ تَتَنَافَى فِي ذَلِكَ ، فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ أَنَّ التَّمْلِيكَ لِلرَّقَبَةِ لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ الْمِيرَاثَ فِيهَا لَا يُسْتَحَقُّ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هَلْ يَمْلِكُ الْمُعْمِرُ الْمُعْطِي الِانْتِفَاعَ بِهَا مُدَّةَ حَيَاتِهِ أَمْ لَا ؟ للهبة عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَدْ مَلَكَ الِانْتِفَاعَ بِهَا مُدَّةَ حَيَاتِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ بِهَا: لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مُتَوَجَّهٌ إِلَى الرَّقَبَةِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَإِذَا بَطَلَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَوْ تَصَرَّفَ فِيهَا الْمُعْطِي وَانْتَفَعَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ: لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ وَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يُضْمَنُ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ لَا يُضْمَنُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ ، وَلَكِنْ لَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ ، فَإِنْ كَانَ تَلَفُهَا مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ لَمْ يَضْمَنْ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَإِنْ كَانَ تَلَفُهَا بِفِعْلِهِ ضَمِنَهَا: لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ ، وَهُوَ غَيْرُ مَالِكٍ لَهَا ، فَهَذَا حُكْمُ قَوْلِهِ: ( قَدْ جَعَلْتُهَا لَكَ مُدَّةَ عُمْرِكَ ) ، وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ أَنَّ الْعَطِيَّةَ صَحِيحَةٌ ، وَأَنَّ الْعُمْرَى مَوْرُوثَةٌ فَلَا رَجْعَةَ لِلْمُعْمِرِ الْمُعْطِي فِيهَا بَعْدَ الْقَبْضِ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: وَهُوَ أَنْ يَقُولَ -: قَدْ جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَى إِشَارَةً إِلَى عَقْدِ الْعُمْرَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَدِّرَ ذَلِكَ بِعُمْرِ أَحَدٍ للهبة ، فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ ، لِلنَّهْيِ عَنْهَا ، وَلَا يَمْلِكُ بِهَا الْمُعْمِرِ الْمُعْطِي الْمَنْفَعَةَ مُدَّةَ حَيَاتِهِ كَمَا لَا يَمْلِكُ لِرَقَبَتِهِ وَجْهًا وَاحِدًا: لِأَنَّنَا قَدْ دَلَلْنَا عَلَى أَنَّ التَّمْلِيكَ بِالْعُمْرَى مُتَوَجَّهٌ إِلَى الرَّقَبَةِ ، فَإِذَا بَطَلَ لَمْ يَمْلِكْ بِهَا الْمَقْصُودَ بِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَضْمَنِ الْأُجْرَةَ إِنْ سَكَنَ أَوْ تَصَرَّفَ ، فَلَوْ كَانَتِ الْعُمْرَى نَخْلًا فَأَثْمَرَتْ لَمْ يَمْلِكِ الثَّمَرَةَ ، وَلَوْ كَانَتْ شَاةً فَنَتَجَتْ لَمْ يَمْلِكِ الْوَلَدَ ، فَإِنْ تَلِفَتِ الثَّمَرَةُ فِي يَدِهِ وَهَلَكَ الْوَلَدُ ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ كَانَتْ بِفِعْلِهِ ضَمِنَ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ ، وَهِيَ مِلْكٌ لَهُ فِي حَيَاتِهِ ثُمَّ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ لِرِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لَهُ وَلِعَقِبِهِ يَرِثُهَا مَنْ يَرِثُهُ مِنْ عَقَبِهِ .

فَصْلٌ: وَأَمَّا الْحَالُ الثَّالِثَةُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: قَدْ جَعَلْتُهَا لَكَ مُدَّةَ عُمْرِي ، أَوْ جَعَلْتُهَا عُمَرَ زَيْدٍ للهبة ، وَالْحَكَمُ فِيهِمَا وَاحِدٌ ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا عَطِيَّةٌ بَاطِلَةٌ: لِأَنَّهُ لَا يُمَلِّكُهُ إِيَّاهَا عُمْرَهُ فَيُورَثُ عَنْهُ ، وَلَا جَعَلَهَا عُمْرَى فَيَسْتَعْمِلُ فِيهَا الْخَبَرَ ، وَإِنَّمَا قَدَّرَ ذَلِكَ بِعُمْرِ نَفْسِهِ أَوْ عُمْرِ أَجْنَبِيٍّ ، فَاقْتَضَى لِمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِ الْأَصْلِ خُرُوجُهَا مِنْ حُكْمِ النَّفْيِ أَنْ تَبْطُلَ ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: قَدْ أَعْمَرْتُكَهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت