فهرس الكتاب

الصفحة 3367 من 8432

الْمُكَافَأَةِ ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الصَّدَقَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ لِذِي الرَّحِمِ ، وَلِأَنَّ فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ عُقُوقًا ، وَعُقُوقُ ذِي الرَّحِمِ حَرَامٌ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَهَبَ بِشَرْطِ الثَّوَابِ فَأُثِيبَ لَمْ يَرْجِعْ ، وَهَذَا قَدْ أُثِيبَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي هِبَةِ الرَّحِمِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْجِعَ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَشِيرٍ فِي هِبَتِهِ لِنُعْمَانَ مِنْ بَيْنِ وَلَدِهِ: فَارْجِعْهُ فَلَوْلَا أَنَّ رُجُوعَهُ جَائِزٌ لَمَا أَمَرَهُ بِهِ ، وَلَكَانَ الْأَوْلَى لَوْ فَعَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهُ ، وَرَوَى عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَةً ، أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ ، وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ وَيَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَأْكُلُ فَإِذَا شَبِعَ قَاءَ ثُمَ عَادَ فِي قَيْئِهِ ، وَهَذَا نَصٌّ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ ثَبَتَ اتِّصَالُهُ ، وَبِهَذَا يَخُصُّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ عُمُومِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ ، وَيُتَمِّمُ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْخَبَرِ الثَّانِي ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوْلَادُكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ ، فَكُلُوا مِنْ طَيِّبِ كَسْبِكُمْ ، فَمَيَّزَ الْوَلَدَ مِنْ غَيْرِهِ وَجَعَلَهُ كَسْبًا لِوَالِدِهِ ، فَكَانَ مَا كَسَبَهُ الْوَلَدُ مِنْهُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ كَسْبِهِ ، وَقَدْ يَتَحَرَّرُ مِنْ هَذَا الِاعْتِلَالِ قِيَاسٌ فَيُقَالُ: لِأَنَّهُ وَهَبَ كَسْبَهُ لِكَسْبٍ غَيْرِ مُعْتَاضٍ عَنْهُ ، فَجَازَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ كَمَا لَوْ وَهَبَ لِعَبْدِهِ ، وَلِأَنَّ مَا لِلْوَلَدِ فِي يَدِ وَالِدِهِ لِجَوَازِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ إِذَا كَانَ صَغِيرًا وَأَخَذَ النَّفَقَةَ مِنْهُ إِذَا كَانَ كَبِيرًا فَصَارَتْ هِبَةً لَهُ ، وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ يَدِهِ فِي حُكْمِ مَا وَهَبَهُ وَهُوَ بَاقٍ فِي يَدِهِ ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَهُ لِغَيْرِهِ إِذَا لَمْ يَقْبِضْهُ لِبَقَائِهِ فِي يَدِهِ جَازَ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ وَإِنْ أَقْبَضَهُ: لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَاقِي فِي يَدِهِ ، وَتَحْرِيرُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسًا أَنَّهَا هِبَةٌ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيهَا فَجَازَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا قِيَاسًا عَلَى مَا لَمْ يَقْبِضْ ، وَلِأَنَّ الْأَبَ لِفَضْلِ حُنُوِّهِ تُبَايِنُ أَحْكَامُهُ أَحْكَامَ غَيْرِهِ فَلَا يُعَادِيهِ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي يَدَيْهِ بِالتَّزْوِيجِ ، وَفِي مَالِهِ بِالْعُقُودِ لِفَضْلِ الْحُنُوِّ وَانْتِفَاءِ التُّهَمِ ، فَجَازَ أَنْ يُخَالِفَ غَيْرَهُ فِي جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ: لِأَنَّ انْتِفَاءَ التُّهْمَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ رُجُوعَهُ فِيهَا لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ مِنْهُ إِلَيْهَا ، وَلِأَنَّنَا وَأَبَا حَنِيفَةَ قَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى الْفَرْقِ فِي الْهِبَةِ بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ وَذِي الرَّحِمِ ، فَلِأَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ فِيهَا مَعَ ذِي الرَّحِمِ الْمُبَاعِضِ دُونَ الْأَجْنَبِيِّ الهبة أَوْلَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ دُونَ ذِي الرَّحِمِ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: النَّصُّ الْمُعَاضِدُ . وَالثَّانِي: الْبَعْضِيَّةُ الْمُمَازَجَةُ . وَالثَّالِثُ: التَّمْيِيزُ بِالْأَحْكَامِ الْمَخْصُوصَةِ ، وَفِي هَذِهِ الْمَعَانِي جَوَابٌ ، وَجَوَابُهُمْ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِالثَّوَابِ ، فَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أَثْبَتَ بِالْمَالِ فَقَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ الْبَدَلُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِيرَ جَامِعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُبْدَلِ ، فَخَالَفَ مَنْ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ الْبَدَلُ عَلَى أَنَّ ثَوَابَ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ فِي الْهِبَةِ غَيْرُ الرَّاجِعِ فِيهَا مِنَ الْأَبِ .

فَصْلٌ: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فِي أَنَّ غَيْرَ الْأَبِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ ، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ لِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا ، اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ عَمْرٍو . وَدَلِيلُنَا مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ طَاوُسٍ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ لَهُ الْقَصَاصُ عَلَى وَاهِبِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت