فهرس الكتاب

الصفحة 3400 من 8432

بَابُ الْجَعَالَةِ مَسْأَلَةٌ: قَالَ وَلَا جُعْلَ لِمَنْ جَاءَ بِآبِقٍ وَلَا ضَالَّةٍ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ ، وَسَوَاءٌ مَنْ عُرِفَ بِطَلَبِ الضَّوَالِّ وَمَنْ لَا يُعْرَفُ بِهِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ وَلَيْسَ يَخْلُو مَنْ رَدَّ آبِقًا أَوْ ضَالَّةً الْجَعَالَةِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَرُدَّهَا بِأَمْرِ مَالِكِهَا أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، فَإِنْ رَدَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَالِكِ فَقَدْ كَانَ ضَامِنًا بِالْيَدِ وَسَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ بِالرَّدِّ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ ، سَوَاءٌ كَانَ مَعْرُوفًا بِطَلَبِ الضَّوَالِّ وَمَنْ لَا يُعْرَفُ . وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِطَلَبِ الضَّوَالِّ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي الْعَبْدِ وَالْبَهِيمَةِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ الْمَرْدُودُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً فَلَهُ إِنْ رَدَّ مِنْ مَسَافَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ، وَإِنْ رَدَّهُ مِنْ أَقَلِّ مِنْ مَسَافَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي رَدِّ الْبَهِيمَةِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِرَدِّ الضَّوَالِّ مَعْرُوفًا أَوْ غَيْرَ مَعْرُوفٍ اسْتِدْلَالًا مِنْهُمَا عَلَى اخْتِلَافِ مَذْهَبَيْهِمَا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ جَعَلَ لِمَنْ رَدَّ آبِقَا مِنْ خَارِجِ الْحَرَّةِ دِينَارًا ، وَرَوَى أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ تَارَةً مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَتَارَةً هَكَذَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ رَدَّ آبِقَا فَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمَا وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا رَدَّ ضَالَّةً لِرَجُلٍ ، فَقَالَ النَّاسُ: لَقَدْ حَازَ أَجْرًا عَظِيمًا ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَلَهُ مَعَ ذَلِكَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا . وَكَانَ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - أَنَّهُمَا قَالَا: مَنْ رَدَّ آبِقًا فَلَهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ ، فَصَارَ ذَلِكَ مِنْهُمَا إِجْمَاعًا عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْجُعْلِ ، قَالُوا: وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ مَوْضُوعٌ عَلَى مَا أَدَّى إِلَى حِفْظِهَا وَرِفْقِ أَرْبَابِهَا فِيهَا ، فَلَوْ مَنَعَ الرَّادُّ لَهَا مِنْ جُعْلٍ يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهَا لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ رَدِّهَا ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ إِلَى تَلَفِهَا وَلُحُوقِ الْمَشَقَّةِ الْغَالِبَةِ فِي طَلَبِهَا . وَدَلِيلُنَا عُمُومُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ، وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ كَالْأَعْيَانِ ، بَلْ أَضْعَفُ ، فَلَمَّا كَانَ لَوِ اسْتَهْلَكَ أَعْيَانًا فِي رَدِّ ضَالَّةٍ مِنْ طَعَامٍ أَوْ عَلَفٍ الْجَعَالَةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ عِوَضًا ، فَإِذَا اسْتَهْلَكَ مَنَافِعَ نَفْسِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ بِهَا عِوَضًا ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت