فهرس الكتاب

الصفحة 3415 من 8432

عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ ، وَإِنْ أَجْرَيْنَا عَلَيْهِ حُكْمَ الشِّرْكِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا: لِأَنَّ مَا فِي بَيْتِ الْمَالِ مَصْرُوفٌ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ الْمُشْرِكِينَ ، فَإِنْ تَطَوَّعَ أَحَدُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ كَانَ مُحْسِنًا: لِأَنَّهَا نَفْسٌ لَهَا حُرْمَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ أَحَدٌ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ جَمَعَ الْإِمَامُ أَهْلَ الذِّمَّةِ الَّذِينَ كَانَ الْمَنْبُوذُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَجَعَلَ نَفَقَتَهُ مُقَسَّطَةً عَلَيْهِمْ لِيَكُونَ دَيْنًا لَهُمْ إِذَا ظَهَرَ أَمْرُهُ ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَبٌ رَجَعُوا بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ سَيِّدٌ رَجَعُوا بِهَا عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ يَرْجِعُونَ بِهَا فِي كَسْبِهِ إِذَا بَلَغَ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:"فَإِذَا أَعْرَبَ عَنْ نَفْسِهِ فَامْتَنَعَ مِنَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَبِنْ لِي أَنْ أَقْتُلَهُ وَلَا أُجْبِرَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَإِنْ وُجِدَ فِي مَدِينَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا مُسْلِمَ فِيهُمْ فَهُوَ ذِمِّيٌّ فِي الظَّاهِرِ حَتَّى يَصِفَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الْبُلُوغِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ مَنْ يُجْرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ قَبْلَ بُلُوغِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَنْ يَجْرِي حُكْمُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ بِإِسْلَامِ أَبَوَيْهِ فَيَصِيرُ بِإِسْلَامِهِمَا مُسْلِمًا . وَرَوَى أَبُو الْيَزِيدِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ كَمَا تَنَاقَحُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ مِنْ جَدْعَاءَ ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ فَمَعْنَى قَوْلِهِ:"يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ"يُرِيدُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُ: لِأَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ عَلَى اخْتِلَافِ أَدْيَانِهِمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ ، ثُمَّ يُهَوِّدُ الْيَهُودُ أَبْنَاءَهُمْ وَيُنَصِّرُ النَّصَارَى أَبْنَاءَهُمْ ، أَيْ: يُعَلِّمُونَهُمْ ذَلِكَ . وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا بِالْإِبِلِ إِذَا نَتَجَتْ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ ، وَالْجَمْعَاءُ هِيَ السَّلِيمَةُ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ السَّلَامَةِ لَهَا فِي أَعْضَائِهَا فَتَجْدَعُ أُنُوفَ نِتَاجِهَا وَتَفْقَأُ عُيُونَهَا ، فَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْأَبُ مِنْهُمَا هُوَ الْمُسْلِمُ كَانَ ذَلِكَ إِسْلَامًا لَهُ ، وَإِنْ أَسْلَمَتِ الْأُمُّ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ إِسْلَامَهَا إِسْلَامٌ لَهُ كَالْأَبِ ، وَقَالَ مَالِكٌ: لِيَكُونَ إِسْلَامُ الْأُمِّ إِسْلَامًا لَهُ ، وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى"وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ فَجَعَلَ اجْتِمَاعَهُمَا مُوجِبًا لِتَهَوُّدِهِ دُونَ انْفِرَادِهِمَا ، وَلِأَنَّهَا لَوْ أَسْلَمَتْ وَهِيَ حَامِلٌ كَانَ ذَلِكَ إِسْلَامًا لِحَمْلِهَا إِذَا وَضَعَتْ كَذَلِكَ إِذَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ الْوَضْعِ ، وَلِأَنَّهَا أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ ، فَصَارَ الطِّفْلُ بِهَا مُسْلِمًا كَالْأَبِ ، فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِالْحُرِّيَّةِ فَقَدْ يُعْتَبَرُ بِالْأَبِ كَمَا يُعْتَبَرُ بِالْأُمِّ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وُلِدَ مِنْهُ كَانَ الْوَلَدُ حُرًّا ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ إِسْلَامَ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ يَكُونُ إِسْلَامًا لِغَيْرِ الْبَالِغِ مِنْ أَوْلَادِهِمَا ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ إِسْلَامًا لِمَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ مَجْنُونًا: لِأَنَّ الْمَجْنُونَ تَبَعٌ لِغَيْرِهِ ، فَأَمَّا الْبَالِغُ الْعَاقِلُ فَلَا يَكُونُ إِسْلَامُ الْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا إِسْلَامًا لَهُ: لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَصِحُّ مِنْهُ ، وَأَمَّا إِذَا بَلَغَ الْكَافِرُ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ فَهَلْ يَكُونُ إِسْلَامُ أَبَوَيْهِ إِسْلَامًا لَهُ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت