فهرس الكتاب

الصفحة 3430 من 8432

سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ كَانَ الشَّبَهُ لِلْعُمُومَةِ فَحَصَلَ لِلْأُمِّ فِي الْوَلَدِ شَبَهًا كَالْأَبِ ، وَلِأَنَّ الْوَلَدَ بِالْأُمِّ أَخَصُّ وَكَانَ بِالشَّبَهِ أَحَقُّ .

فَصْلٌ: وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ لَهُمَا عِنْدَ التَّنَازُعِ فِيهِ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ عَلَى وِلَادَتِهِ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ عُدُولٍ ، فَإِنْ كَانَتِ الْبَيِّنَةُ لِإِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى حُكِمَ بِهِ لِذَاتِ الْبَيِّنَةِ وَلَحِقَ بِزَوْجِهَا إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِاللِّعَانِ ، وَإِنْ أَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى وِلَادَتِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَلْحَقْتُهُ بِهِمَا بِالْبَيِّنَةِ وَأَجْعَلُهُ ابْنًا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلِزَوْجِهَا ، وَأَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَزَوْجَهَا أَمَّا لَهُ وَأَبًا ، قَالَ: وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ عِنْدَ امْتِنَاعِ الْمُمْتَنِعِينَ إِذَا لَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِهِمَا ، كَاللِّعَانِ قَدِ امْتَنَعَ بِهِ صِدْقُهُمَا ، ثُمَّ حُكِمَ بِهِ بَيْنَهُمَا ، وَكَاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا تَحَالَفَا عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَوْجَبَ فَسْخَ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَإِحْدَاهُمَا ، فَهَذَا الْقَوْلُ مَعَ خَطَئِهِ مُسْتَحِيلٌ وَمَعَ اسْتِحَالَتِهِ شَنِيعٌ وَاسْتِحَالَةُ لُحُوقِهِ بِالِاثْنَيْنِ أَعْظَمُ مِنِ اسْتِحَالَةِ لُحُوقِهِ بِالْأَبَوَيْنِ: لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مَاءُ الرَّجُلَيْنِ فِي رَحِمٍ وَاحِدٍ وَيَمْتَنِعُ خُرُوقُ الْوَلَدِ الْوَاحِدِ فِي رَحِمَيْنِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ [ الْمُجَادَلَةِ: 2 ] أَخْبَرَ أَنَّ أُمَّهُ هِيَ الَّتِي تَلِدُهُ ، فَإِنْ لَحِقَ الْوَلَدُ بِهِمَا اقْتَضَى ذَلِكَ وِلَادَتَهَا ، وَفِي الْقَوْلِ بِهَذَا مِنَ الِاسْتِحَالَةِ مَا تَدْفَعُهُ بِذَاتِهِ الْعُقُولُ وَيَمْنَعُ مِنْهُ الْحَسَنُ الْفَطِنُ وَلَا يَحْتَاجُ مَعَ الْمُلَاحَظَةِ إِلَى دَلِيلٍ ، وَلَا مَعَ التَّصَوُّرِ إِلَى تَعْلِيلٍ ، وَحَسْبُ مَا هَذِهِ حَالَةٌ اطِّرَادًا وَاسْتِقْبَاحًا ، لَا سِيَّمَا مَعَ مَا يَقْضِي هَذَا الْقَوْلُ إِمَّا مَذْهَبًا وَإِمَّا إِلْزَامًا إِلَى أَنْ يَصِيرَ الْوَلَدُ الْوَاحِدُ مُلْحَقًا بِنِسَاءِ الْقَبِيلَةِ وَرِجَالِهَا ، ثُمَّ بِنِسَاءِ الْمَدِينَةِ وَرِجَالِهَا ، ثُمَّ بِنِسَاءِ الدُّنْيَا وَرِجَالِهَا ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ قَوْلٍ هَذِهِ نَتِيجَتُهُ وَمَذْهَبٍ هَذِهِ قَاعِدَتُهُ ، فَأَمَّا اللِّعَانُ فَمَا حَكَمْنَا فِيهِ بِصِدْقِهَا مُسْتَحِيلٌ ، وَإِنَّمَا عَلَّقْنَا عَلَيْهِ حُكْمًا قَدْ أَسْمَاهُ الصَّادِقُ مِنْهُمَا اقْتَضَى ذَلِكَ نَفْيَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَأَمَّا التَّحَالُفُ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعِينَ فَإِنَّمَا أَوْجَبَ إِبْطَالُ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ دُونَ إِثْبَاتِهِ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِمَا مَعَ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي الْأَمْلَاكِ هَلْ يُسْتَعْمَلَانِ أَوْ يَسْقُطَانِ ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُسْتَعْمَلَانِ بِقِسْمَةِ الْمِلْكِ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ . وَالثَّانِي: يُسْتَعْمَلَانِ بِالْقُرْعَةِ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ ، فَإِنْ قُلْنَا بِاسْتِعْمَالِ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي الْأَمْلَاكِ اسْتَعْمَلْنَاهُمَا فِي الِانْتِسَابِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ نَسْتَعْمِلَهُمَا بِالْقِسْمَةِ لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ فِي النَّسَبِ وَلَا بِالْقُرْعَةِ مَعَ وُجُودِ الْقَافَةِ: لِأَنَّ الْقَافَةَ أَقْوَى وَأَوْكَدُ ، وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُهُمَا بِتَمْيِيزِ الْقَافَةِ بَيْنَهُمَا فَيُنْظَرُ إِلَى الْوَلَدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ ، فَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِإِحْدَاهُمَا لَحِقَ بِهَا بِالْبَيِّنَةِ ، وَكَانَ تَمْيِيزُ الْقَافَةِ تَرْجِيحًا ، فَعَلَى هَذَا يَصِيرُ لَاحِقًا بِهَا وَبِزَوْجِهَا إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِاللِّعَانِ ، وَإِنْ قُلْنَا بِإِسْقَاطِ الْبَيِّنَتَيْنِ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا فِي الْأَمْلَاكِ فَهَلْ يَسْقُطَانِ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا فِي الْأَنْسَابِ أَمْ لَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت