فهرس الكتاب

الصفحة 3448 من 8432

سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فَتَرَكَ أُمَّهُ فَوَرَّثَهَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَالَهُ كُلَّهُ ، قَالُوا: وَلِأَنَّ كُلَّ مُنَاسِبٍ وَرِثَ بَعْضَ الْمَالِ مَعَ غَيْرِهِ جَازَ أَنْ يَرِثَ جَمِيعَهُ إِذَا انْفَرَدَ بِنَفْسِهِ كَالْعَصَبَةِ ، قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُنْفِقُوا مِنْ فُرُوضِهِمْ بِالْعَدْلِ عِنْدَ زِيَادَةِ الْفُرُوضِ عَلَى التَّرِكَةِ جَازَ أَنْ يُزَادُوا بِالرَّدِّ عِنْدَ عَجْزِ الْفُرُوضِ عَنِ التَّرِكَةِ . وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَسَّمَ فُرُوضَ ذَوِي الْفُرُوضِ سَمَّاهُ فِي ثَلَاثِ آيٍ مِنْ كِتَابِهِ ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ أَعْطَى اللَّهُ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ سَمَّى لَهُ فَرْضًا فَهُوَ قَدْرُ حَقِّهِ ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يُوَرَّثْ مَعَ غَيْرِهِ إِلَّا بِالْفَرْضِ لَمْ يُوَرَّثْ مَعَ عَدَمِ غَيْرِهِ إِلَّا ذَلِكَ الْفَرْضَ كَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ: لِأَنَّهُ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمَا بِوَفَاءٍ ، وَلِأَنَّ كُلَّ قَدْرٍ حُجِبَ عَنْهُ الشَّخْصُ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ حُجِبَ عَنْهُ وَإِنِ انْفَرَدَ بِهِ كَالْمَالِ الْمُسْتَحَقِّ بِالدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ تَجَرَّدَتْ رَحِمُهُ عَنْ تَعْصِيبٍ لَمْ يَأْخُذْ بِهَا مِنْ تَرِكَةٍ حَقَّيْنِ: كَالْأُخْتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ لَا تَأْخُذُ النِّصْفَ لِأَنَّهَا أُخْتُ الْأَبِ ، وَالسُّدُسُ لِأَنَّهَا أُخْتُ الْأُمِّ ، فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَقَدْ مَضَى . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَعْطَى مِيرَاثَ سَالِمٍ إِلَى أُمِّهِ فَلِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا مَنْ يَتَوَلَّى مَصَالِحَ بَيْتِ الْمَالِ كَمَا دَفَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِيرَاثَ الْخُزَاعِيِّ إِلَى الْكِبَرِ مِنْ خُزَاعَةَ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْعَصَبَةِ فَالْمَعْنَى فِيهِمْ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّونَهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ذَوُو الْفُرُوضِ لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُنْفِقُوا بِالْعَدْلِ جَازَ أَنْ يُزَادُوا بِالرَّدِّ ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ لِلزِّيَادَةِ جِهَةٌ يَسْتَحِقُّهَا وَهِيَ بَيْتُ الْمَالِ فَلَمْ يَجُزْ رَدُّهَا ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلنَّقْصِ جِهَةَ تَمَامٍ جَازَ عَوْلُهَا ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ الدَّيْنِ وَالْوَصَايَا إِذَا ضَاقَ بِهِمْ دَخَلَ الْعَوْلُ عَلَيْهِمْ وَلَوْ زَادَ عَنْهُمْ لَمْ يَجُزِ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ ؟

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ أَحَقُّ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَبِالْفَاضِلِ عَنْ ذَوِي السِّهَامِ وَأَنَّهُ يَصِيرُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ إِرْثًا لَا فَيْئًا ، وَهَكَذَا مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ صَارَ مَالُهُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ مِيرَاثًا ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يَكُونُ فَيْئًا لَا مِيرَاثًا لِأُمُورٍ: مِنْهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِيرَاثًا لَوَجَبَ صَرْفُهُ إِلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ بَعْضِهِمْ ، وَلَوَجَبَ أَنْ يُفَضَّلَ فِيهِ الذَّكَرُ عَلَى الْأُنْثَى وَلَا يُفْرَدُ بِهِ أَهْلُ عَصْرِ الْمَيِّتِ دُونَ مَنْ تَأَخَّرَ ، وَفِي جَوَازِ ذَلِكَ كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ فَيْءٌ لَا مِيرَاثٌ ، وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [ التَّوْبَةِ 71 ] فَكَانَتِ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمْ تَمْنَعُ مِنْ أَحْكَامِ مَنْ خَالَفَهُمْ ، وَلِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ يَعْقِلُ عَنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ انْتِقَالُ مَالِهِ إِلَيْهِ بِالْمَوْتِ مِيرَاثًا كَالْعَصَبَةِ ، وَلِأَنَّهُ مَالُ مُسْلِمٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ انْتِقَالُهُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ فَيْئًا كَالزَّكَاوَاتِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ فَهُوَ أَنَّ تَعْيِينَ الْوَارِثِ يَقْتَضِي مَا ذَكَرُوهُ ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ لَمْ يَقْتَضِهِ .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ أَحَقُّ إِذَا كَانَ مَوْجُودًا يَصْرِفُ الْإِمَامُ الْعَدْلُ أَمْوَالَهُ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت