فهرس الكتاب

الصفحة 3457 من 8432

قَالَ: وَلِأَنَّ كُلَّ عُقُوبَةٍ تَعَلَّقَتْ بِالْقَتْلِ سَقَطَتْ عَنِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ كَالْقَوَدِ ، وَدَلِيلُنَا عُمُومُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ . وَلِأَنَّ مَوَانِعَ الْإِرْثِ يَسْتَوِي فِيهَا الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْمَجْنُونُ وَالْعَاقِلُ كَالْكُفْرِ وَالرِّقِّ ، وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ مَضْمُونٌ وَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ الْإِرْثَ كَالْبَالِغِ الْعَاقِلِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَوْ صَدَرَ عَنِ الْكَبِيرِ قَطَعَ التَّوَارُثَ ، فَإِذَا صَدَرَ عَنِ الصَّغِيرِ وَجَبَ أَنْ يَقْطَعَ التَّوَارُثَ . أَصْلُهُ فَسْخُ النِّكَاحِ ، وَلِأَنَّ مَنْعَ الْقَاتِلِ مِنَ الْإِرْثِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بِمَكَانِ الْإِرْثِ ، فَهُوَ مَا يَقُولُهُ مَنْ صَنَعَ الْإِرْثَ لِكُلِّ مَنِ انْطَلَقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ أَوْ يَكُونُ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ ، فَقَدْ يَخْفَى ذَلِكَ مِنَ الْخَاطِئِ وَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ لِاحْتِمَالِ قَصْدِهِمْ وَلِظَاهِرِهِمْ بِمَا يَنْفِي التُّهْمَةَ عَنْهُمْ ، فَلَمَّا خَفِيَ ذَلِكَ مِنْهُمْ صَارَ التَّحْرِيمُ عَامًّا كَالْخَمْرِ الَّتِي حُرِّمَتْ ، وَلِأَنَّهَا تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ، فَحَسَمَ اللَّهُ تَعَالَى الْبَابَ فِي تَحْرِيمِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لَا يَصُدُّ لِاشْتِبَاهِ الْأَمْرِ بِمَا يَصُدُّ . فَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ رَفْعَ الْمَأْثَمِ ، وَلَيْسَ رَفْعُ الْإِرْثِ مُتَعَلِّقًا بِرَفْعِ الْمَأْثَمِ ، كَالْخَاطِئِ وَالنَّائِمِ لَا مَأْثَمَ عَلَيْهِمَا ، وَلَوِ انْقَلَبَ نَائِمٌ عَلَى مُوَرِّثِهِ فَقَتَلَهُ لَمْ يَرِثْهُ بِوِفَاقٍ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَهَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ مَنْعَ الْإِرْثِ عُقُوبَةٌ ، فَأَشْبَهَ الْقَوَدَ: لِأَنَّ الْخَاطِئَ لَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ يُمْنَعُ مِنْ مِيرَاثِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعُقُوبَةَ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَمَهَّدَ مَا وَصَفْنَا ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْقَتْلِ إِذَا حَدَثَ عَنِ الْوَارِثِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَنْ سَبَبٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ ، فَإِنْ كَانَ عَنْ سَبَبٍ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يُوجِبَ الضَّمَانَ ، كَرَجُلٍ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ فَسَقَطَ فِيهَا أَخُوهُ أَوْ سَقَطَ حَائِطُ دَارِهِ عَلَى ذِي قَرَابَتِهِ أَوْ وَضَعَ فِي دَارِهِ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِ ، فَإِذَا مَاتَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا لَمْ يَسْقُطْ مِيرَاثُهُ بِشَيْءٍ مِنْهَا: لِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إِلَى الْقَتْلِ لَا اسْمًا وَلَا حُكْمًا . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ كَوَضْعِهِ حَجَرًا فِي طَرِيقٍ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ فِي غَيْرِ مِلْكٍ أَوْ سُقُوطِ جَنَاحٍ مِنْ دَارِهِ ، فَإِذَا هَلَكَ بِذَلِكَ ذُو قَرَابَتِهِ لَمْ يَرِثْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَوَرَّثَهُ أَبُو حَنِيفَةَ . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: مَا كَانَ فِيهِ مُتَّهَمًا لَمْ يَرِثْهُ بِهِ ، وَمَا كَانَ مِنْهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ وَرِثَهُ هَذَا يَنْكَسِرُ بِالْخَاطِئِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ مُبَاشَرَةً ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ بَغَيْرِ حَقٍّ فَيَكُونُ مَانِعًا مِنَ الْمِيرَاثِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ مِنْ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ فِي صِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ فِي عَقْلٍ أَوْ جُنُونٍ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِحَقٍّ كَالْقِصَاصِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَتْلًا وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ كَالْقَوَدِ إِذَا أَوْجَبَ لَهُ فَلَا يَرِثُ بِهِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَتْلًا وَاجِبًا كَالْحَاكِمِ وَالْإِمَامِ إِذَا قَتَلَ أَخَاهُ قَوَدًا لِغَيْرِهِ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لَا مِيرَاثَ لَهُ اعْتِبَارًا بِالِاسْمِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت