فهرس الكتاب

الصفحة 3521 من 8432

وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّ لَهَا الْمِيرَاثَ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ ، وَإِنِ انْقَضَتْ عَدَّتُهَا ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَبَيُّ بْنُ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمِنَ التَّابِعِينَ عَطَاءٌ ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَجَعَلَهُ أَصْحَابُنَا قَوْلًا ثَالِثًا لِلشَّافَعِيِّ تَخْرِيجًا . وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: أَنَّ لَهَا الْمِيرَاثَ أَبَدًا ، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَكَثِيرٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ ، وَجَعَلَهُ أَصْحَابُنَا قَوْلًا رَابِعًا لِلشَّافِعِيِّ تَخْرِيجًا ، فَإِذَا قِيلَ: لَا تَرِثُ فَدَلِيلُهُ مَا رَوَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيُّونَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي بَعْضِ أَمَالِيهِ فِي كِتَابِ الرَّجْعَةِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تَرِثُ مَبْتُوتَةٌ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ إِنْ كَانَ ثَابِتًا سَقَطَ بِهِ الْخِلَافُ ، وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ تَمْنَعُ مِنَ الْمِيرَاثِ فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ ، فَوَجَبَ أَنْ تَمْنَعَ مِنَ الْمِيرَاثِ فِي حَالِ الْمَرَضِ كَاللِّعَانِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ طَلَاقٍ يَمْنَعُ مِنْ مِيرَاثِ الزَّوْجِ مَنَعَ مِنْ مِيرَاثِ الزَّوْجَةِ كَالطَّلَاقِ فِي الصِّحَّةِ ، وَلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمِيرَاثِ فَرْعٌ عَلَى ثُبُوتِ الْعَقْدِ ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ الْعَقْدُ بِطَلَاقِ الْمَرِيضِ كَانَ سُقُوطُ الْمِيرَاثِ أَوْلَى ، وَإِذَا قِيلَ: تَرِثُ ، فَدَلِيلُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ تُمَاضِرَ بِنْتَ الْأَصْبَغِ الْكِلَابِيَّةَ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ فَوَرِثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ . وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ التَّمِيمِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُكْمِلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَكَانَ بِهِ الْفَالِجُ فَمَاتَ بَعْدَ سَنَةٍ ، فَوَرِثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهَاتَانِ الْقَضِيَّتَانِ مِنْ عُثْمَانَ عَنِ ارْتِيَاءِ وَاسْتِشَارَةِ الصَّحَابَةِ لَا سِيَّمَا زَوْجَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَعَ إِشْهَارِ أَمْرِهَا وَمُنَاظَرَةِ الصَّحَابَةِ فِيهَا ، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَرَى أَنْ تُورِثَ مَبْتُوتَةً ، قُلْنَا: مَا ادَّعَيْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ إِجْمَاعًا فَيَرْتَفِعُ ، بِخِلَافِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَرِيضُ مَمْنُوعًا مِنَ التَّصَرُّفِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِضْرَارِ الْوَارِثِ ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْ إِسْقَاطِ الْوَارِثِ ، وَلِأَنَّ التُّهْمَةَ فِي الْمِيرَاثِ تُهْمَتَانِ: تُهْمَةٌ فِي اسْتِحْقَاقِهِ ، وَتُهْمَةٌ فِي إِسْقَاطِهِ ، فَلَمَّا كَانَتِ التُّهْمَةُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ وَهِيَ تُهْمَةُ الْقَاتِلِ رَافِعَةً لِاسْتِحْقَاقِهِ الْمِيرَاثَ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ التُّهْمَةُ فِي إِسْقَاطِهِ بِالطَّلَاقِ رَافِعَةً لِإِسْقَاطِ الْمِيرَاثِ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا إِذَا أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي صِحَّتِهِ لَمْ تَرِثْهُ ، وَكَانَ إِقْرَارًا فِي الْمَرَضِ لَا طَلَاقًا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: هُوَ طَلَاقٌ فِي الْمَرَضِ وَتَرِثُ . وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ: لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْعَقْدِ لَا يَكُونُ عَقْدًا وَإِنْ صَارَ بِالْإِقْرَارِ لَازِمًا ، فَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِالطَّلَاقِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا وَإِنْ صَارَ بِالْإِقْرَارِ لَازِمًا ، وَلَوْ أَنَّهُ حَلَفَ لَا يُطَلِّقُهَا فَأَقَرَّ بِتَقْدِيمِ طَلَاقِهَا لَمْ يَحْنَثْ: لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ ، فَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِهِ فِي الْمَرَضِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا فِي الْمَرَضِ ، فَلَوْ كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ فَقَالَ فِي صِحَّتِهِ إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثَلَاثًا ، ثُمَّ بَيَّنَ الْمُطَلَّقَةَ مِنْهُمَا فِي مَرَضِهِ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ عَيَّنَ الطَّلَاقَ عِنْدَ لَفْظِهِ ، فَلَا تَرِثُ: لِأَنَّهُ مُقِرٌّ فِي الْمَرَضِ بِطَلَاقٍ وَقَعَ فِي الصِّحَّةِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ أَتَمَّ الطَّلَاقَ عِنْدَ لَفْظِهِ ، ثُمَّ عَيَّنَهُ عِنْدَ بَيَانِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي الْمُعَيَّنَةِ بِالطَّلَاقِ عِنْدَ الْبَيَانِ هَلْ يَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا وَقْتَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت