فهرس الكتاب

الصفحة 3567 من 8432

فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لِأَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً فَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِرَدِّ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لَجَازَتِ الزِّيَادَةُ عَلَى الثُّلُثِ مَعَ غِنَاهُمْ ، إِذَا لَمْ يَصِيرُوا عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّمَا قَالَهُ صِلَةً فِي الْكَلَامِ وَتَنْبِيهًا عَلَى الْحَظِّ . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ:"يَضَعُ مَالَهُ حَيْثُ يَشَاءُ"، فَمَالُهُ الثُّلُثُ وَحْدَهُ ، وَلَهُ وَضْعُهُ حَيْثُ شَاءَ . وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَهِيَ كَالْوَصِيَّةِ ، إِنَّ كَانَتْ فِي الصِّحَّةِ أُمْضِيَتْ مَعَ وُجُودِ الْوَارِثِ وَعَدَمِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْمَرَضِ رُدَّتْ إِلَى الثُّلُثِ مَعَ وُجُودِ الْوَارِثِ وَعَدَمِهِ .

فَصْلٌ: وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِثُلُثِ مَالِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُهُ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ يُرَاعَى ثُلُثُ مَالِهِ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ أَوْ عِنْدَ الْوَفَاةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَكْثَرُ الْبَغْدَادِيِّينَ: أَنَّهُ يُرَاعَى ثُلُثُهُ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ ، وَلَا يُدْخَلُ فِيهِ مَا حَدَثَ بَعْدَهُ مِنْ زِيَادَةٍ: لِأَنَّهَا عَقْدٌ وَالْعُقُودُ لَا يُعْتَبَرُ بِهَا مَا بَعْدُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْبَصْرِيِّينَ: أَنَّهُ يُرَاعَى ثُلُثُ مَالِهِ وَقْتَ الْمَوْتِ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا حَدَثَ قَبْلَهُ مِنْ زِيَادَةٍ: لِأَنَّ الْوَصَايَا تُمْلَكُ بِالْمَوْتِ فَاعْتُبِرَ بِهَا وَقْتَ مِلْكِهَا . فَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ: إِنْ وَصَّى بِثُلُثِ مَالِهِ وَلَا مَالَ لَهُ ، ثُمَّ أَفَادَ مَالًا قَبْلَ الْمَوْتِ ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَكُونُ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً اعْتِبَارًا بِحَالِ الْوَصِيَّةِ . وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي تَكُونُ الْوَصِيَّةُ صَحِيحَةً اعْتِبَارًا بِحَالِ الْمَوْتِ . وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لَوْ وَصَّى بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ وَهَوَ لَا يَمْلِكُ عَبْدًا ، ثُمَّ مَلَكَ قَبْلَ الْمَوْتِ عَبْدًا صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ إِنِ اعْتَبَرَ بِهَا حَالَةَ الْمَوْتِ ، وَبَطَلَتْ إِنِ اعْتَبَرَ بِهَا حَالَ الْقَوْلِ . وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ: لَوْ وَصَّى بِثُلُثِ مَالِهِ وَلَهُ مَالٌ ، فَهَلَكَ مَالُهُ وَأَفَادَ غَيْرَهُ ، صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ فِي الْمَالِ الْمُسْتَفَادِ إِنِ اعْتَبَرَ بِهَا حَالَ الْمَوْتِ ، وَبَطَلَتْ إِنِ اعْتَبَرَ بِهَا حَالَ الْوَصِيَّةِ . وَأَمَّا الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي الْمُوصَى إِلَيْهِ ، فَقَدْ أَفْرَدَ الشَّافِعِيُّ لِلْأَوْصِيَاءِ بَابًا اسْتَوْفَى فِيهِ أَحْكَامَهُمْ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ: مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ:"يُحْتَمَلُ مَا الْحَزْمُ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ ، وَيُحْتَمَلُ مَا الْمَعْرُوفُ فِي الْأَخْلَاقِ إِلَّا هَذَا لَا مِنْ جِهَةِ الْفَرْضِ ( قَالَ ) ، فَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِهِ وَلَا ابْنَ لَهُ غَيْرُهُ فَلَهُ النِّصْفُ ، فَإِنْ لَمْ يُجِزِ الِابْنُ فَلَهُ الثُّلُثُ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت