فهرس الكتاب

الصفحة 3629 من 8432

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا مَاتَ قَبْلَ الْقَبُولِ ، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ كَالْهِبَةِ ، وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ مَا اسْتَحَقَّهُ فِي التَّرِكَةِ لَمْ يَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَالدَّيْنِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ سَبَبٍ اسْتُحِقَّ بِهِ تَمَلُّكُ عَيْنٍ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ مَالِكِهَا لَمْ يَبْطُلْ بِمَوْتِهِ ، قَبْلَ تَمَلُّكِهَا كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ . وَفَارَقَتِ الْوَصِيَّةُ الْهِبَةَ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الْهِبَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ غَيْرُ لَازِمَةٍ ، فَجَازَ أَنْ تَبْطُلَ بِالْمَوْتِ وَالْوَصِيَّةُ قَبْلَ الْقَبُولِ لَازِمَةٌ ، فَلَمْ تَبْطُلْ بِالْمَوْتِ .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الرَّدِّ وَالْقَبُولِ ، فَوَرَثَتُهُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ وَلَهُمْ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: حَالٌ يَقْبَلُ جَمِيعُهُمُ الْوَصِيَّةَ ، وَحَالٌ يَرُدُّ جَمِيعُهُمُ الْوَصِيَّةَ ، وَحَالٌ يَقْبَلُهَا بَعْضُهُمْ وَيَرُدُّهَا بَعْضُهُمْ . فَإِنْ قَبِلُوهَا جَمِيعًا ، فَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَجْعَلُ الْقَبُولَ دَالًّا عَلَى تَقَدُّمِ الْمِلْكِ ، فَالْمَالِكُ لِلْوَصِيَّةِ بِقَبُولِ الْوَرَثَةِ ، هُوَ الْمُوصَى لَهُ لَا الْوَرَثَةُ . فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَوْلَادُ الْأَمَةِ أَحْرَارًا ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَا يَمْلِكُ وَلَدَهُ وَيَجْعَلُهَا لَهُ أُمَّ وَلَدٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَصِيرُ بِالْوِلَادَةِ أُمَّ وَلَدٍ . فَأَمَّا الْقَوْلُ الَّذِي يَجْعَلُ الْقَبُولَ مِلْكًا ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا ، هَلْ تَدْخُلُ الْوَصِيَّةُ فِي مِلْكِ الْمُوصَى لَهُ بِقَبُولِ وَرَثَتِهِ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ يَمْلِكُهَا الْوَرَثَةُ دُونَ الْمُوصَى لَهُ ، لِحُدُوثِ الْمِلْكِ بِقَبُولِهِمْ . فَعَلَى هَذَا لَا يُعْتَقُ الْأَوْلَادُ الَّذِينَ وَلَدَتْهُمْ بَعْدَ الْقَبُولِ وَلَا تَصِيرُ الْأَمَةُ بِهِمْ أُمَّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّ الْأَخَ يَمْلِكُ أَخَاهُ . وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مَالًا لَمْ يُقْضَ مِنْهَا دُيُونُ الْمُوصَى لَهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْبَصْرِيِّينَ وَحَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمَ بْنُ كَجٍّ عَنْ شُيُوخِهِ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ يَمْلِكُهَا الْمُوصَى لَهُ بِقَبُولِ وَرَثَتِهِ وَإِنْ كَانَ الْقَبُولُ مُمَلِّكًا ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ لَبَطَلَتْ ؛ لَأَنَّ الْوَرَثَةَ غَيْرُ مُوصًى لَهُمْ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَ الْوَصِيَّةَ مَنْ لَمْ يُوصَ لَهُ . فَعَلَى هَذَا قَدْ أُعْتِقَ الْأَوْلَادُ الَّذِينَ وَلَدَتْهُمْ بَعْدَ الْقَبُولِ وَصَارَتْ مِمَّنْ يَجِبُ أَنْ تَصِيرَ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ . وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مَالًا ، قُضِيَ مِنْهَا دُيُونُ الْمُوصَى لَهُ .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ حُرِّيَّةُ الْأَوْلَادِ عَلَى مَا وَصَفْنَا ، لَمْ يَخْلُ حَالُ الْوَرَثَةِ الْقَابِلِينَ لِلْوَصِيَّةِ ورثة زوج الأمة الموصي بها سيدها لزوجها أَنْ يُسْقَطُوا بِالْأَوْلَادِ أَوْ لَا يُسْقَطُوا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت