وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجُوزُ إِلَى عَبْدِ نَفْسِهِ إِذْ كَانَ وَلَدُهُ أَصَاغِرَ ، وَلَا تَجُوزُ إِلَى عَبْدِ غَيْرِهِ ، وَلَا إِذَا كَانَ وَلَدُهُ أَكَابِرَ ، تَحْلِيلًا بِأَنَّ عَبْدَهُ مَعَ أَصَاغِرِ وَلَدِهِ مُحْتَبِسُ الرَّقَبَةِ مَمْنُوعٌ مِنْ بَيْعِهِ ، فَصَحَّ نَظَرُهُ عَلَيْهِمْ وَدَامَتْ وِلَايَتُهُ إِلَى بُلُوغِهِمْ . وَهَذَا التَّعْلِيلُ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ احْتِبَاسَ رَقَبَتِهِ عَلَيْهِمْ وَالْمَنْعَ مِنْ بَيْعِهِ فِي حَقِّهِمْ لَا يَصِحُّ ، لِأَنَّهُمْ لَوِ احْتَاجُوا إِلَى نَفَقَةٍ لَا يَجِدُونَهَا إِلَّا مِنْ ثَمَنِهِ جَازَ لِلْحَاكِمِ بَيْعُهُ فِي نَفَقَاتِهِمِ . وَالثَّانِي: أَنَّ احْتِبَاسَ الرَّقَبَةِ لَا يُجِيزُ مِنَ التَّصَرُّفِ مَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ ، كَالْمَجْنُونِ وَلِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ . فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَلَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَجَوَّزَهَا أَبُو حَنِيفَةَ . وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ إِلَى الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَفِي جَوَازِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَصِحُّ ، لِأَنَّهُمَا يُعْتَقَانِ بِالْمَوْتِ الَّذِي يَكُونُ تَصَرُّفُهَا بَعْدَهُ . وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ اعْتِبَارًا بِحَالِهَا عِنْدَ الْوَصِيَّةِ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا الشَّرْطُ الرَّابِعُ وَهُوَ الْإِسْلَامُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً [ التَّوْبَةِ: 10 ] . وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ [ آلِ عِمْرَانَ: 118 ] . وَهَذِهِ الْآيَةُ كَتَبَ بِهَا عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - حِينَ اتَّخَذَ كَاتِبًا نَصْرَانِيًّا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْوَصِيَّةُ إِلَيْهِ غير المسلم مَوْقُوفَةٌ عَلَى فَسْخِ الْحَاكِمِ ، فَإِنْ تَصَرَّفَ قَبْلَ أَنْ يَفْسَخَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ كَانَ تَصَرُّفُهُ نَافِذًا . وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ إِلَيْهِ جَائِزَةً ، فَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَفْسَخَهَا عَلَيْهِ ، أَوْ تَكُونُ بَاطِلَةً ، فَلَا يَجُوزُ فِيهَا تَصَرُّفُهُ . وَإِذَا كَانَ هَكَذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِعَقْدٍ أَوِ اجْتِهَادٍ مَرْدُودًا ، فَأَمَّا مَا تَعَيَّنَ مِنْ دَيْنٍ قَضَاهُ ، أَوْ وَصِيَّةٍ بِمُعَيَّنٍ لِمُعَيَّنٍ دَفَعَهَا ، فَلَا يَضْمَنُهَا ، لِوُصُولِ ذَلِكَ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ مُسْتَحِقُّهُ مِنْ غَيْرِ نَائِبٍ أَوْ وَسِيطٍ صَارَ إِلَى حَقِّهِ وَلَيْسَ كَالَّذِي يَعْقِدُهُ مِنْ بَيْعٍ ، أَوْ يَجْتَهِدُ فِيهِ مِنْ تَفْرِيقِ ثُلُثٍ ، بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ مَرْدُودٌ وَهُوَ لِمَا دَفَعَهُ مِنْ ذَلِكَ ضَامِنٌ . فَأَمَّا وَصِيَّةُ الْكَافِرِ إِلَى الْمُسْلِمِ فَجَائِزَةٌ لِظُهُورِ أَمَانَتِهِ فِيهَا . وَأَمَّا وَصِيَّةُ الْكَافِرِ إِلَى الْكَافِرِ فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: تَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ وَلِيًّا لِكَافِرٍ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَجُوزُ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْكَافِرِ لِكَافِرٍ وَلَا مُسْلِمٍ ، فَهَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ وَصِيًّا لِكَافِرٍ وَلَا مُسْلِمٍ .