أَقَمْتَ بَيِّنَةً بِحُدُوثِ الْخَوْفِ يَنْتَقِلُ بِهَا عَنِ الظَّاهِرِ جَعَلْنَا حِينَئِذٍ الْقَوْلَ قَوْلَكَ مَعَ يَمِينِكَ بِأَنَّكَ أَخْرَجْتَهَا بِغَشَيَانِ النَّارِ وَحُدُوثِ الْغَارَةِ ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ تَنْقُلُنَا عَنِ الظَّاهِرِ غَلَّبْنَا حُكْمَ الظَّاهِرِ وَجَعَلْنَا الْقَوْلَ قَوْلَ الْمُودِعِ مَعَ يَمِينِهِ بِاللَّهِ بِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِي النَّاحِيَةِ نَارًا وَلَا غَارَةً ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ وَيَصِيرُ ضَامِنًا لِلْوَدِيعَةِ ، فَأَمَّا إِنْ نَقَلَهَا خَوْفًا مِنْ حُدُوثِ غَارَةٍ أَوْ نَارٍ فَلَمْ تَحْدُثْ غَارَةٌ وَلَمْ تَغْشَ نَارٌ ، فَإِنْ كَانَتْ أَمَارَاتُ صِدْقِ دَعْوَاهُ ظَاهِرَةً وَدَوَاعِيهِ غَالِبَةً لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ كَانَ ظَنًّا وَتَوَهُّمًا ضَمِنَ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ"وَلَوْ قَالَ دَفَعْتُهَا إِلَى فُلَانٍ بِأَمْرِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُودِعِ ، وَلَوْ قَالَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُودَعِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُمَا مَسْأَلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَدَّعِيَ الْمُسْتَوْدَعُ رَدَّ الْوَدِيعَةِ عَلَى مَالِكِهَا . وَالثَّانِيةُ: أَنْ يَدَّعِيَ دَفْعَهَا إِلَى غَيْرِ مَالِكِهَا بِإِذْنِهِ الختلاف بين المودع والمستودع ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ مَعَ يَمِينِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُودِعُ قَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ عِنْدَ الدَّفْعِ لِلْوَدِيعَةِ إِلَيْهِ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ . وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الْمُودِعُ قَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ عِنْدَ الدَّفْعِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ فِي الرَّدِّ ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ فَقُبِلَ قَوْلُهُ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ فَقَدْ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ ، فَإِذَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ لَمْ يَرْضَ بِأَمَانَتِهِ فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَيْهِ وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ فِي التَّلَفِ مَقْبُولًا مَعَ الشَّهَادَةِ وَعَدَمِهَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ مَقْبُولًا مَعَ الشَّهَادَةِ وَعَدَمِهَا . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَقْبُولًا فِي الْحَالَيْنِ وَقَوْلُ الْمُقْرِضِ وَالْمُسْتَعِيرِ فِي الرَّدِّ غَيْرَ مَقْبُولٍ فِي الْحَالَيْنِ ، كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ مُلْحَقًا بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ فِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ مَقْبُولًا فِي الْحَالَيْنِ أَوْ مَرْدُودًا فِي الْحَالَيْنِ ، فَلَمَّا كَانَ فِي أَحَدِ الْحَالَيْنِ مَقْبُولًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْآخَرِ مَقْبُولًا . فَإِذَا تَقَرَّرَ مَقْبُولُ الْقَوْلِ فِي الرَّدِّ فَإِنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَا كَانَ عَلَى أَمَانَتِهِ ، فَلَوْ ضَمِنَهَا بِتَفْرِيطٍ أَوْ عُدْوَانٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُودِعِ مَعَ يَمِينِهِ وَلَهُ الْغُرْمُ ، وَهَكَذَا لَوْ مَاتَ الْمُودِعُ فَادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ رَدَّ الْوَدِيعَةِ عَلَى وَارِثِهِ الختلاف بين المودع والمستودع لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَصِرْ بِمَوْتِ الْمُودِعِ ضَامِنًا فَقَدْ صَارَ بِمَوْتِهِ خَارِجًا مِنْ عَقْدِ الْوَدِيعَةِ وَوِلَايَةِ النَّظَرِ ، وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ مُدَّعِيًا لِلرَّدِّ عَلَى غَيْرِ مَنِ ائْتَمَنَهُ ، فَصَارَ كَالْوَصِيِّ الَّذِي لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّ مَالِ الْيَتِيمِ عَلَيْهِ ، وَهَكَذَا لَوْ مَاتَ الْمُسْتَوْدَعُ فَادَّعَى وَارِثُهُ رَدَّ الْوَدِيعَةِ عَلَى الْمُودِعِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَيْهِ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ: ارْتِفَاعُ الْعَقْدِ بِالْمَوْتِ وَعَدَمُ الِائْتِمَانِ فِي الْوَارِثِ .