أَحَدُهَا: أَنَّهَا [ الْفَاقِرَةُ ] الدَّاهِيَةُ الْعُظْمَى ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْهَلَاكُ الْمُسْتَأْصِلُ ، وَهُوَ قَوْلُ السُّدِّيِّ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الشَّرُّ الْمُحَلَّى ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ ؛ وَعَلَى أَيِّ التَّأْوِيلَاتِ كَانَ فَهُوَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي سُوءِ الْحَالِ . وَأَمَّا الْمَسْكَنَةُ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهَا فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْتَمَسْكُنِ وَهُوَ الْخُضُوعُ ، وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ السُّكُونِ: لِأَنَّ الْمِسْكِينَ مَا يُسْكَنُ إِلَيْهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَحْسَنُ حَالًا ، وَلِأَنَّ شَوَاهِدَ أَشْعَارِ الْعَرَبِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، أَنْشَدَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ لِبَعْضِ الْعَرَبِ: هَلْ لَكَ فِي أَجْرٍ عَظِيمٍ تُؤْجَرُهْ تُغِيثُ مِسْكِينًا قَلِيلًا عَسْكَرُهْ عَشْرُ شِيَاهٍ سَمْعُهُ وَبَصَرُهْ قَدْ حَدَّثَ النَّفْسَ بِمِصْرٍ يَحْضُرُهْ فَسَمَّاهُ مِسْكِينًا وَلَهُ عَشْرُ شِيَاهٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِلْمِسْكِينِ مَالًا وَأَنَّهُ أَحْسَنُ حَالًا . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ [ الْبَلَدِ: 16 ] فَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِسْكِينِ هَاهُنَا الْفَقِيرُ: لِأَنَّهُ لَمْ يُطْلِقْ ذِكْرَهُ ، وَلَكِنْ قَيَّدَهُ بِصِفَاتِ الْفُقَرَاءِ ، وَقَدْ يَنْطَلِقُ اسْمُ الْمِسْكِينِ عَلَى الْفَقِيرِ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَإِنَّمَا كَلَامُنَا فِي الْمِسْكِينِ الَّذِي قَدْ أُطْلِقَتْ صِفَتُهُ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ الْأُخْرَى فَهُوَ أَنَّ السَّائِلَ لَا يَكُونُ أَحْسَنَ حَالًا مِنَ الْمُتَعَفِّفِ: لِأَنَّهُ قَدْ يَسْأَلُ فَيُحْرَمُ وَيَتَعَفَّفُ فَيُعْطَى . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ: لَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَنَا فَقِيرٌ ، فَهُوَ إِذًا أَبَانَ بِذَلِكَ مَنْزِلَتَهُ فِي الشُّكْرِ مَعَ شِدَّةِ الضُّرِّ . وَأَمَّا الشِّعْرُ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ: لِأَنَّهُ بَعْدَ أَخْذِ الْحَلُوبَةِ سَمَّاهُ فَقِيرًا حِينَ لَمْ يَتْرُكْ لَهُ سِيدٌ ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْفَقِيرَ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْمِسْكِينِ فَقَدْ يَكُونُ الْفَقِيرُ سَائِلًا وَغَيْرَ سَائِلٍ ، وَقَدْ يَكُونُ الْمِسْكِينُ سَائِلًا وَغَيْرَ سَائِلٍ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ مِنَ التَّسْوِيَةِ فَظَنَّ الْمُزَنِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ فَجَعَلَ الْجَدِيدَ أَوْلَى وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:"فَإِنْ كَانَ رَجُلٌ جَلْدٌ ، يَعْلَمُ الْوَالِي أَنَّهُ صَحِيحٌ مُكْتَسِبٌ ، يُغْنِي عِيَالَهُ أَوْ لَا عِيَالَ لَهُ يُغْنِي نَفْسَهُ بِكَسْبِهِ لَمْ يُعْطِهِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ ، الْمُكْتَسِبُ بِصَنْعَتِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ لَا يَكُونُ فَقِيرًا وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ ، وَإِنْ كَانَ مُكْتَسِبًا حَتَّى يَمْلِكَ نِصَابًا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، أَوْ مَا يَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصَابًا ؛ فَجَعَلَ الْفَقْرَ مُعْتَبَرًا بِعَدَمِ النِّصَابِ وَإِنْ