وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَجُعِلَ عَذَابَهُنَّ ضِعْفَيْنِ ، وَعَلَى مَنْ قَذَفَهُنَّ الْحَدَّ ضِعْفَيْنِ ، وَلَمْ أَرَ لِلشَّافِعِيِّ نَصًّا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، غَيْرَ أَنَّ الْأَشْبَهَ بِظَاهِرِ كَلَامِهِ إِنَّمَا حَدَّانِ فِي الدُّنْيَا ، فَإِنْ قِيلَ فِي أَمْرِ مُضَاعَفَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِنَّ مِنْ تَفْضِيلِهِنَّ . قِيلَ: لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ حَدُّ الْعَبْدِ نِصْفَ حَدِّ الْحَرِّ لِنَقْصِهِ عَنْ كَمَالِ الْحُرِّ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُضَاعَفَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِنَّ مِنْ تَفْضِيلِهِنَّ عَلَى غَيْرِهِنَّ ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ [ الْأَحْزَابِ: 31 ] أَيْ يُطِيعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَالْقُنُوتُ الطَّاعَةُ ثُمَّ قَالَ: وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [ الْأَحْزَابِ: 31 ] فَضُوعِفَ لَهُنَّ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ ، كَمَا ضُوعِفَ عَلَيْهِنَّ الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ، فَصَارَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ تَفْضِيلًا لَهُنَّ وَزِيَادَةً فِي كَرَامَتِهِنَّ ، وَفِي أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ قَوْلَانِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ: أَحَدُهَا: أَنَّ كِلَا الْأَجْرَيْنِ فِي الْآخِرَةِ . وَالثَّانِي: أَنَّ أَحَدَهُمَا فِي الدُّنْيَا ، وَالثَّانِي فِي الْآخِرَةِ . وَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا تَأْوِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حَلَالًا فَقَدْ كَانَ رِزْقُهُنَّ مِنْ أَجَلِّ الْأَرْزَاقِ . وَالثَّانِي: وَاسِعًا: فَقَدْ صَارَ رِزْقُهُنَّ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَفِي أَيَّامِ عُمَرَ مِنْ أَوْسَعِ الْأَرْزَاقِ .
فَصْلٌ: وَصَارَ مَا خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنَاكِحِهِ ، مِمَّا جَاءَ فِيهِ نَصٌّ ، وَاتَّصَلَ بِهِ نَقْلٌ عَشْرُ خِصَالٍ ، تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ ، مِنْهَا ثَلَاثُ خِصَالٍ تَغْلِيظٌ ، وَثَلَاثُ خِصَالٍ تَخْفِيفٌ ، وَأَرْبَعُ خِصَالٍ كَرَامَةٌ . فَأَمَّا الثَّلَاثُ التَّغْلِيظُ: فَإِحْدَاهُنَّ: مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ مِنْ تَخْيِيرِ نِسَائِهِ تخيير النبي نساءه . وَالثَّانِيَةُ: مَا حُظِرَ عَلَيْهِ مِنْ طَلَاقِهِنَّ طلاق النبي نساءه . وَالثَّالِثَةُ: مَا مَنَعَهُ مِنَ الِاسْتِبْدَالِ بِهِنَّ تبدل أزواج النبي . وَأَمَّا الثَّلَاثُ التَّخْفِيفُ: فَإِحْدَاهُنَّ: مَا أَبَاحَهُ لَهُ مِنَ النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ مَحْصُورٍ نكاح النبي أكثر من اربعة . وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَمْلِكَ النِّكَاحَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ نكاح الرسول بلفظ الهبة . وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَ أَمَةً عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فعل النبي ذلك كَانَ عِتْقُهَا نِكَاحًا عَلَيْهَا وَصَدَاقًا لَهَا: لِأَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ ، فَصَارَتْ بِالْعِتْقِ زَوْجَةً وَصَارَ الْعِتْقُ لَهَا صَدَاقًا . فَأَمَّا الْأَرْبَعُ الْكَرَامَةُ: