فهرس الكتاب

الصفحة 3981 من 8432

وَمِنَ الْفُقَهَاءِ: أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا جَعَلَ الْإِشْهَادَ بِهِ وَتَرْكَ التَّرَاخِي بِكَتْمِهِ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [ النِّسَاءِ: 3 ] فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ ، وَكَمَا رَوَاهُ عَبَّادُ بْنُ سِنَانٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَلَا أُنْكِحَكَ أُمَامَةَ بِنْتَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ؟ قَالَ: بَلَى ، قَدْ أُنْكِحْتَهَا ، وَلَمْ يُشْهِدْ ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا زَوَّجَ بِنْتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ مِنْ عُمَرَ وَلَمْ يُشْهِدْ . قَالُوا: وَلِأَنَّ الْعُقُودَ نَوْعَانِ: عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ كَالْبَيْعِ ، وَعَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ كَالْإِجَارَةِ ، وَلَيْسَتِ الشَّهَادَةُ شَرْطًا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَكَانَ النِّكَاحُ مُلْحَقًا بِأَحَدِهِمَا . وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ خُصُوصًا فِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ ، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ نِكَاحِ السِّرِّ . وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ . وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ . وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا بُدَّ فِي النِّكَاحِ مِنْ أَرْبَعَةٍ: زَوْجٍ ، وَوَلِيٍّ ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ . وَلِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ لَمَّا خَالَفَ سَائِرَ الْعُقُودِ فِي تَجَاوُزِهِ عَنِ الْمُتَعَاقِدِينَ إِلَى ثَالِثٍ هُوَ الْوَلَدُ الَّذِي يَلْزَمُ حِفْظُ نَسَبِهِ ، خَالَفَهَا فِي وُجُوبِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ حِفْظًا لِنَسَبِ الْوَلَدِ الْغَائِبِ: لِئَلَّا يَبْطُلَ نَسَبُهُ فَيُجَاهِدُ الزَّوْجَيْنِ ، وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ فِي إِلْحَاقِهِ إِمَّا بِعُقُودِ الْأَعْيَانِ ، أَوْ بِعُقُودِ الْمَنَافِعِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: فَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا مَنْ يُسْتَبَاحُ مِنَ الْمَنْكُوحَاتِ ، وَلَمْ يَرِدْ فِي صِفَاتِ النِّكَاحِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَزْوِيجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَامَةَ بِنْتَ رَبِيعَةَ وَلَمْ يُشْهِدْ ، وَتَزْوِيجِ عَلِيٍّ بِنْتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَمْ يُشْهِدْ ، فَهَذَا جَوَابٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ أَنَّهُ حَضَرَ الْعَقْدَ شُهُودٌ لَمْ يَقُلْ لَهُمُ اشْهَدُوا: إِذْ يَبْعُدُ أَنْ يَخْلُوَ مَجْلِسُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَالِ بُرُوزِهِ مِنْ حُضُورِ نَفْسَيْنِ فَصَاعِدًا ، وَكَذَلِكَ حَالُ عُمَرَ مَعَ عَلَيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، لَا يَخْلُو أَنْ يَحْضُرَهُ نَفْسَانِ ، وَإِذَا حَضَرَ الْعَقْدَ شَاهِدَانِ بِقَصْدٍ أَوِ اتِّفَاقٍ صَحَّ الْعَقْدُ بِهِمَا ، وَإِنْ لَمْ يُقَلْ لَهُمَا اشْهَدَا ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الْخَبَرِ دَلِيلٌ: لِأَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي: وَلَمْ يُشْهِدْ ، أَيْ لَمْ يَقُلْ لِمَنْ حَضَرَ اشْهَدُوا ، وَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَدَّ نِكَاحًا حَضَرَهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ ، فَقَالَ: هَذَا نِكَاحُ السِّرِّ وَلَا أُجِيزُهُ ، وَلَوْ تَقَدَّمْتُ فِيهِ لَرَجَمْتُ . وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت