فهرس الكتاب

الصفحة 4052 من 8432

وَدَلِيلُنَا مَا رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُلُّ نِكَاحٍ لَمْ يَحْضُرْهُ أَرْبَعَةٌ فَهُوَ سِفَاحٌ: خَاطِبٌ ، وَوَلِيٌّ ، وَشَاهِدَا عَدْلٍ فَاعْتَبَرَ فِي صِحَّتِهِ حُضُورَ أَرْبَعَةٍ ، وَجَعَلَ الْخَاطِبَ مِنْهُمْ غَيْرَ الْوَلِيِّ ، فَلَمْ يُجِزْ أَنْ يَصِحَّ بِثَلَاثَةٍ يَكُونُ الْوَلِيُّ مِنْهُمْ خَاطِبًا ، كَمَا لَمْ يُجِزْ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ مِنْهُمْ خَاطِبًا . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ حَتَّى يَكُونَ الْوَلِيُّ غَيْرَهُ ، وَلَا يَشْتَرِي الْوَلِيُّ شَيْئًا مِنَ الْغَنِيمَةِ وَلَا الْوَصِيُّ شَيْئًا مِنَ الْمِيرَاثِ وَهَذَا نَصٌّ مُرْسَلٌ ، وَسَعِيدٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ حُجَّةٌ: لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَمْ يُمْلَكْ فِيهِ الْبَدَلُ إِلَّا بِإِذْنٍ ، فَلَمْ يُمْلَكْ فِيهِ الْقَبُولُ . كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ لَمَّا مَلَكَ فِيهِ الْبَدَلَ بِإِذْنِ مُوَكِّلِهِ لَمْ يَمْلِكْ فِيهِ الْقَبُولَ فِي شِرَائِهِ لِنَفْسِهِ ، وَهِيَ دَلَالَةُ الشَّافِعِيِّ . وَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْقِيَاسِ ابْتِيَاعُ الْأَبِ مَالَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِنَفْسِهِ حَيْثُ صَارَ فِيهِ مَالِكًا لِلْبَدَلِ وَالْقَبُولِ: لِأَنَّ الْأَبَ يَمْلِكُ الْبَدَلَ بِنَفْسِهِ لَا بِإِذْنِ غَيْرِهِ ، فَجَازَ أَنْ يَمْلِكَ فِيهِ الْقَبُولَ ، وَخَالَفَ الْوَلِيَّ فِي النِّكَاحِ كَمَا خَالَفَ الْوَكِيلَ فِي الْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ اعْتُبِرَ فِي النِّكَاحِ احْتِيَاطًا ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ زَوْجًا كَالشَّاهِدِ: وَلِأَنَّ الْوَلِيَّ مَنْدُوبٌ لِطَلَبِ الْحَظِّ لَهَا فِي الْتِمَاسِ مَنْ هُوَ أَكْفَأُ وَأَغْنَى ، فَإِذَا صَارَ زَوْجًا انْصَرَفَ نَظَرُهُ إِلَى حَظِّ نَفْسِهِ دُونَهَا ، فَعُدِمَ فِي عَقْدِهِ مَعْنَى الْوِلَايَةِ فَصَارَ مَمْنُوعًا مِنْهُ ، وَلَيْسَتِ الْآيَةُ دَلِيلًا عَلَى مَا اخْتَلَفَا فِيهِ مِنْ جَوَازِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِنَفْسِهِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ فَهُوَ: إِنَّ هَذَا فِي حَالِ تَزْوِيجِهِ بِهَا قَدْ خَرَجَ أَنْ يَكُونَ وَلِيًّا لَهَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ انْصِرَافِهِ عَمَّا وُضِعَ لَهُ الْوَلِيُّ مِنْ طَلَبِ الْحَظِّ لَهَا إِلَى طَلَبِ الْحَظِّ لِنَفْسِهِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ سَعِيدٍ: فَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْصُوصٌ بِجَوَازِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْتَبَرَ بِهِ حَالُ غَيْرِهِ . فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنِ اعْتَبَرَ الْوَلِيَّ فِي نِكَاحِهِ ، فَيَقُولُ لَمْ يَكُنْ لِصَفِيَّةَ وَلِيٌّ غَيْرُهُ ، فَصَارَ فِي عَقْدِهِ عَلَيْهَا كَالْإِمَامِ إِذَا لَمْ يَجِدْ لِوَلِيَّتِهِ وَلِيًّا سِوَاهُ يُزَوِّجُهَا مِنْهُ ، فَيَكُونُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ أَنَّهُ نِكَاحٌ بِوَلِيٍّ: فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَكُونُ وَلِيًّا لَهَا إِذَا تَزَوَّجَهَا: لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ زَوَالِ مَعْنَى الْوِلَايَةِ عَنْهُ ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْبَاذِلَ غَيْرُ الْعَائِلِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّهُ كُفْءٌ لَهَا لِمُنَاسَبَتِهِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى وَلِيٍّ يَلْتَمِسُ الْكَفَاءَةَ ، وَهِيَ لَيْسَتْ مُعْتَبَرَةٌ بِالنَّسَبِ وَحْدَهُ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا يُكَافِئَهَا فِيمَا سِوَى النَّسَبِ مِنْ مَالٍ وَعَفَافٍ .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنْ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِنَفْسِهِ ، نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهَا أَحَدٌ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلَّا مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ لَمْ تَنْتَقِلِ الْوِلَايَةُ إِلَى الْبَعِيدِ ، وَزَوَّجَهُ الْحَاكِمُ بِهَا . وَقَالَ قَتَادَةُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ: تَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ إِلَى مَنْ هُوَ أَبْعَدُ فَيُزَوِّجُهَا مِنْهُ ، وَهَذَا خَطَأٌ: لِأَنَّ وِلَايَتَهُ لَمْ تَبْطُلْ بِهَذَا الْقَصْدِ فَلَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُ إِلَى الْأَبْعَدِ ، وَصَارَ بِخِطْبَتِهَا كَالْعَاضِلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت