مِنْهُمْ ، وَأَقَرَّهُمْ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أُفْرِدُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ وَحْدَهَا ، فَلِذَلِكَ خَصَّهُمَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالسُّؤَالِ وَالْإِنْكَارِ ، فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِقَوْلِهِ:"سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ"فَيَعْنِي بِهِ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ رَوَى ذَلِكَ عِنْدَ الشَّكِّ فِي قَبُولِ جِزْيَتِهِمْ . وَالثَّانِي: أَنَّ الصَّحَابَةَ أَثْبَتُوا هَذَا الْحَدِيثَ فِي قَبُولِ جِزْيَتِهِمْ ، وَلَمْ يُجَوِّزُوا بِهِ أَكْلَ ذَبَائِحِهِمْ وَنِكَاحَ نِسَائِهِمْ . وَأَمَّا تَزْوِيجُ حُذَيْفَةَ بِمَجُوسِيَّةٍ ، فَالْمَرْوِيُّ أَنَّهَا كَانَتْ يَهُودِيَّةً ، وَلَوْ كَانَتْ مَجُوسِيَّةً ، فَقَدِ اسْتَنْزَلَهُ عَنْهَا عُمْرُ فَنَزَلَ ، وَلَوْ كَانَتْ تَحِلُّ لَهُ لَمَا اسْتَنْزَلَهُ عَنْهَا عُمْرُ ، وَلَمَا نَزَلَ عَنْهَا حُذَيْفَةُ ، وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، فَالْمَعْنَى فِيهِمْ تَمَسُّكُهُمْ بِكِتَابِهِمْ ، فَثَبَتَ حُرْمَتُهُ فِيهِمْ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَجُوسُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ حُكْمَ الْمَرْفُوعِ وَالْمَنْسُوخِ سَوَاءٌ ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ: لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ بَاقِي التِّلَاوَةِ فَنُفِيَتْ حُرْمَتُهُ فِيهِمْ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَجُوسِيُّ ، وَأَمَا الْمَرْفُوعُ مَرْفُوعُ التِّلَاوَةِ فَارْتَفَعَتْ حُرْمَتُهُ ، هَذَا الْكَلَامُ فِيمَنْ لَهُ شُبْهَةٌ بِكِتَابٍ مِنَ الصَّابِئِينَ وَالسَّامِرَةِ وَالْمَجُوسِ . فَأَمَّا مَنْ تَمَسَّكَ بِصُحُفِ شِيثٍ ، أَوْ زَبُورِ دَاوُدَ ، أَوْ شَيْءٍ مِنَ الصُّحُفِ الْأُولَى ، أَوْ مِنْ زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ، فَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَيَكُونُوا كَمَنْ لَا كِتَابَ لَهُ ، فَلَا تُقْبَلُ لَهُمْ جِزْيَةٌ ، وَلَا تُؤْكَلُ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ ، وَلَا تُنْكَحُ فِيهِمُ امْرَأَةٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ مَوَاعِظُ وَوَصَايَا ، وَلَيْسَ فِيهِمَا أَحْكَامٌ وَفُرُوضٌ ، فَخَالَفَتِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ . وَالثَّانِي: لَيْسَتْ كَلَامَ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا هِيَ وَحْيٌ مِنْهُ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي ، أَوْ مَنْ تَبِعَنِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ ، فَكَانَ ذَلِكَ وَحْيًا مِنَ اللَّهِ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ كَلَامِهِ ، فَخَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْقُرْآنِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ ، كَذَلِكَ هَذِهِ الْكُتُبُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"فَإِذَا نَكَحَهَا فَهِيَ كَالْمُسْلِمَةِ فِيمَا لَهَا وَعَلَيْهَا إِلَّا أَنَّهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ ، وَالْحَدُّ فِي قَذْفِهَا التَّعْزِيرُ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا أَنْكَحَ الْمُسْلِمُ كِتَابِيَّةً ، فَمَا لَهَا وَعَلَيْهَا مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ كَالْمُسْلِمَةِ: لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [ الْبَقَرَةِ: 238 ] وَلِأَنَّهُ عَقَدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُسْلِمُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ ، كَالْإِجَارَاتِ وَالْبُيُوعِ ،