فهرس الكتاب

الصفحة 4224 من 8432

بَابُ طَلَاقِ الشِّرْكِ حكمه قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ:"وَإِذْ أَثْبَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِكَاحَ الشِّرْكِ ، وَأَقَرَّ أَهْلَهُ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ ، لَمْ يَجُزْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ طَلَاقُ الشِّرْكِ: لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَثْبُتُ بِثُبُوتِ النِّكَاحِ وَيَسْقُطُ بِسُقُوطِهِ ، فَإِنْ أَسْلَمَا ، وَقَدْ طَلَّقَهَا فِي الشِّرْكِ ثَلَاثًا ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، وَلَوْ تَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ فِي الشِّرْكِ حَلَّتْ لَهُ ، وَلِمُسْلِمٍ لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ ، نِكَاحُ الشِّرْكِ حكمه صَحِيحٌ ، وَالْإِقْرَارُ عَلَيْهِ جَائِزٌ ، وَطَلَاقُ الشِّرْكِ وَاقِعٌ ، وَحُكْمُ الْفُرْقَةِ ثَابِتٌ . وَقَالَ مَالِكٌ: مَنَاكِحُهُمْ بَاطِلَةٌ ، وَإِنْ أُقِرُّوا عَلَيْهَا ، وَطَلَاقُهُمْ غَيْرُ وَاقِعٍ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِ مَنَاكِحِهِمْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اتَّقَوْا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّمَا مَلَكْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَعْنِي بِكِتَابِ اللَّهِ وَدِينِ الْإِسْلَامِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ إِلْقَاءَ الثَّوْبِ عَلَى الْمَرْأَةِ نِكَاحًا ، وَقَهْرَهَا عَلَى نَفْسِهَا نِكَاحًا ، وَالْمُبَادَلَةَ بِالنِّسَاءِ نِكَاحًا ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ بِالشَّرْعِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِحَّ فِي الْإِسْلَامِ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ طَلَاقَهُمْ لَا يَقَعُ وَلَا يَلْزَمُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [ الْأَنْفَالِ: 38 ] . فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ مَغْفُورًا ، قَالَ: وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ الظِّهَارَ طَلَاقًا مُؤَبَّدًا ، وَقَدْ أَبْطَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَغَيَّرَ حُكْمَهُ . وَدَلِيلُنَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ إِلَيْهِمْ مَنَاكِحَ نِسَائِهِمْ ، فَقَالَ فِي امْرَأَةِ أَبِي لَهَبٍ: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [ الْمَسَدِ: 4 ] . وَفِي امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ: وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ [ الْقَصَصِ: 9 ] . وَالْإِضَافَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ مُقْتَضِيَةٌ لِلتَّمْلِيكِ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ ، وَكَانَتْ مَنَاكِحُ آبَائِهِ فِي الشِّرْكِ تَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا ، وَوُقُوعُ الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّفَّاحِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا ، وَلَا يَرْجُمُ إِلَّا مُحَصَّنًا بِنِكَاحٍ ، وَلِأَنَّهَا مَنَاكِحُ يُقَرُّ عَلَيْهَا أَهْلُهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ بِصِحَّتِهَا قِيَاسًا عَلَى مَنَاكِحِ الْمُسْلِمِينَ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْخَبَرِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: اسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ أَيْ بِإِبَاحَةِ اللَّهِ ، وَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى مَنَاكِحَهُمْ بِإِقْرَارِهِمْ عَلَيْهَا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت