فهرس الكتاب

الصفحة 4255 من 8432

وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ يَوْمًا عَلَى الْمِنْبَرِ: أَيُّهَا النَّاسُ اسْتَمِعُوا ، فَقَالَ سَلْمَانُ: لَا نَسْمَعُ ، فَقَالَ عُمْرُ: وَلِمَ ذَاكَ ؟ فَقَالَ سَلْمَانُ: لِأَنَّ الثِّيَابَ لَمَّا قَدِمَتْ مِنَ الْعِرَاقِ ، وَفَرَّقْتَهَا عَلَيْنَا ثَوْبًا وَأَخَذْتَ ثَوْبَيْنِ لِنَفْسِكَ ، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَّا هَذَا فَثَوْبِي ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَعَرْتُهُ مِنِ ابْنِي ، ثُمَّ دَعَا ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ ، وَقَالَ: أَيْنَ ثَوْبُكَ ؟ فَقَالَ: هُوَ عَلَيْكَ ، فَقَالَ سَلْمَانُ: قُلِ الْآنَ مَا شِئْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ اعْتِرَاضِهِمْ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ أَنْ يُمْسِكُوا عَنْهُ فِي تَحْرِيمِ مَا قَدْ أَحَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَا يُنْكِرُونَهُ لَوْلَا اعْتِرَافُهُمْ بِصِحَّتِهِ وَوِفَاقُهُمْ عَلَى تَحْرِيمِهِ فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، أَنَّهُمَا قَالَا: سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِلُّ الْمُتْعَةَ ، وَسَمِعْنَا عُمَرَ يَنْهَى عَنْهَا ، فَتَبِعْنَا عُمَرَ ، قِيلِ مَعْنَاهُ: تَبِعْنَا عُمَرَ ، فِيمَا رَوَاهُ مِنَ التَّحْرِيمِ: لِأَنَّهُ رَوَى لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَ الْمُتْعَةَ ثَلَاثًا ثُمَّ حَرَّمَهَا ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لَوْلَا مَا ذَكَرْنَا أَنْ يُضَافَ إِلَى جَابِرٍ وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُمَا خَالَفَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَبِعَا عُمَرَ ، وَلَوْ تَبِعَاهُ لَمَا تَبِعَهُ غَيْرُهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْإِجَارَةِ فَالْمَعْنَى فِيهِمَا: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مُؤَبَّدَةً ، فَصَحَّتْ مُؤَقَّتَةً ، وَالنِّكَاحُ لَمَّا صَحَّ مُؤَبَّدًا لَمْ يَصِحَّ مُوَقَّتًا . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمَا بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ إِبَاحَتُهَا بِالْإِجْمَاعِ ، فَلَمْ يُعْدَلْ إِلَى تَحْرِيمِهَا إِلَّا بِالْإِجْمَاعِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَا ثَبَتَ بِهِ إِبَاحَتُهَا هُوَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ تَحْرِيمُهَا ، فَإِنْ كَانَ دَلِيلًا فِي الْإِبَاحَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا فِي التَّحْرِيمِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِبَاحَةَ الثَّابِتَةَ بِالْإِجْمَاعِ هِيَ إِبَاحَةٌ مُؤَقَّتَةٌ تَعَقَّبَهَا نَسْخٌ ، وَهُمْ يَدَّعُونَ إِبَاحَةً مُؤَبَّدَةً لَمْ يَتَعَقَّبْهَا نَسْخٌ ، فَلَمْ يَكُنْ فِيمَا قَالُوهُ إِجْمَاعٌ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ الآثار المترتبة على نكاح المتعة ، فَلَا حَدَّ فِيهَا لِمَكَانِ الشُّبْهَةِ ، وَيُعَزَّرَانِ أَدَبًا إِنْ عَلِمَا بِالتَّحْرِيمِ ، وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا بِالْإِصَابَةِ دُونَ الْمُسَمَّى وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ ، وَإِنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لَحِقَ بِالْوَطْءِ: لِأَنَّهَا صَارَتْ بِإِصَابَةِ الشُّبْهَةِ فِرَاشًا ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ: لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ يُلْزِمُ ، وَيَثْبُتُ بِهَذِهِ الْإِصَابَةِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

مَسْأَلَةٌ: وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ صوره وأحكامه بَاطِلٌ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا ، حَرُمَتْ بِهِنَّ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ ، فَنَكَحَتْ بَعْدَهُ زَوْجًا: لِيُحِلَّهَا لِلْأَوَّلِ فَيَرْجِعُ إِلَى نِكَاحِهَا ، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَحَلَّهَا بِإِصَابَةٍ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ ، فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا ، فَهَذَا نِكَاحٌ بَاطِلٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: النِّكَاحُ صَحِيحٌ ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت