فهرس الكتاب

الصفحة 4293 من 8432

وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ يُؤَجَّلُ نِصْفَ سَنَةٍ . وَحُكِيَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ أَنَّهُ يُؤَجَّلُ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ ، وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ حَدِيثَةَ الْعَهْدِ مَعَهُ أُجِّلَ لَهَا سَنَةً ، وَإِنَّ كَانَتْ قَدِيمَةَ الْعَهْدِ مَعَهُ أُجِّلَ لَهَا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ فَاسِدَةٌ لَا يَرْجِعُ التَّقْدِيرُ فِيهَا إِلَى أَصْلٍ مِنْ جِهَةٍ ، وَتَقْدِيرُ أَصِلِهِ بِالسَّنَةِ أَوْلَى مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ: لِأَنَّهُ أَجَّلَ الْعِنِّينَ سَنَةً ، وَعُمْرُ لَا يَفْعَلُ هَذَا إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ يَكُونُ نَصًّا أَوْ عَنِ اجْتِهَادٍ شَاوَرَ فِيهِ الصَّحَابَةَ: لِأَنَّهُ كَانَ كَثِيرُ الْمَشُورَةِ فِي الْأَحْكَامِ فَيَكُونُ مَعَ عَدَمِ الْخِلَافِ فِيهِ إِجْمَاعًا ، وَإِذَا تَرَدَّدَ بَيْنَ حَالَيْنِ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ لَمْ يَجُزْ بِخِلَافِهِ . وَالثَّانِي: إِنَّ التَّأْجِيلَ إِنَّمَا وَضِعَ لِيُعْلَمَ حَالُهُ ، هَلْ هُوَ مِنْ مَرَضٍ طَارِئٍ فَيُرْجَى زَوَالُهُ ، أَوْ مِنْ نَقْصٍ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ فَلَا يُرْجَى زَوَالُهُ ، فَكَانَتِ السَّنَةُ الْجَامِعَةُ لِلْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ أَجَلًا مُعْتَبَرًا: لِأَنَّ فَصْلَ الشِّتَاءِ بَارِدٌ رَطْبٌ ، وَفَصْلَ الصَّيْفِ حَارٌّ يَابِسٌ ، وَفَصْلَ الرَّبِيعِ حَارٌّ رَطْبٌ ، وَفَصْلَ الْخَرِيفِ بَارِدٌ يَابِسٌ ، فَإِذَا مَرَّ بِالْمَرَضِ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ فُصُولِ السَّنَةِ ظَهَرَ ، وَكَانَ سَبَبًا لِبُرْئِهِ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ بَرْدٍ فَفَصْلُ الْحَرِّ يُقَابِلُهُ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ حَرٍّ فَفَصْلُ الْبَرْدِ يُقَابِلُهُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رُطُوبَةٍ فَفَصَلُ الْيُبُوسَةِ يُقَابِلُهُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ يُبُوسَةٍ فَفَصْلُ الرُّطُوبَةِ يُقَابِلُهُ ، وَإِنْ كَانَ مُرَكَّبًا مِنْ نَوْعَيْنِ فَمَا خَالَفَهُ فِي النَّوْعَيْنِ ، هُوَ الْمُقَابِلُ لَهُ ، فَإِذَا مَضَتْ عَلَيْهِ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ وَهُوَ بِحَالَةٍ لَمْ يَكُنْ مَرَضًا لِمَا قِيلَ عَنْ عُلَمَاءِ الطِّبِّ إِنَّهُ لَا يَسْحَرُ الدَّاءُ فِي الْجِسْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ ، وَعُلِمَ حِينَئِذٍ أَنَّهُ نَقْصٌ لَازِمٌ لِأَصْلِ الْخِلْقَةِ فَصَارَ عَيْبًا يُوجِبُ الْخِيَارَ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ حُكْمِ الْعُنَّةِ وَأَجَلِهَا ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا بِمَاذَا يَثْبُتُ الْعُنَّةُ إِنِ ادَّعَتْهَا الزَّوْجَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ -: أَنَّهَا لَا تَثْبُتْ إِلَّا بِإِقْرَارِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ عَلَى إِقْرَارِهِ ، فَيَكُونُ الْإِقْرَارُ وَحْدَهُ مُعْتَبِرًا فِي ثُبُوتِهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ -: أَنَّهَا تَثْبُتْ بِإِقْرَارِهِ ، أَوْ بِنُكُولِهِ لِعَدَمِ إِنْكَارِهِ ، وَلَا يُرَاعِي فِيهِ يَمِينَ الزَّوْجَةِ: لِأَنَّهَا لَا تَعْرِفُ بَاطِنَ حَالِهِ فَتَحْلِفَ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا ، وَحَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ وَلَمْ يَحْكِ مَا سِوَاهُ -: أَنَّهَا ثَبَتَتْ بِإِقْرَارِهِ عَلَى الزَّوْجَةِ بَعْدَ نُكُولِهِ ، وَإِنْكَارُهُ لَا يَثْبُتُ إِنْ لَمْ يَحْلِفْ بَعْدَ النُّكُولِ ، وَلَا يَمْتَنِعْ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَغِيبٍ بِالْإِمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى حَالِهِ ، كَمَا يَحْلِفُ عَلَى كِنَايَاتِ الْقَذْفِ وَالطَّلَاقِ ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقَذْفَ وَالطَّلَاقَ إِذَا أَنْكَرَ وَنَكَلَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت