فهرس الكتاب

الصفحة 4404 من 8432

وَأَمَّا الْجَرَّاحُ أَبُو سِنَانٍ ، فَقَدْ شَهِدَ بِذَلِكَ مَعَ قَوْمِهِ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قِصَّةٍ مَشْهُورَةٍ . فَمَا رُدَّ وَلَا رُدُّوا . وَأَمَّا إِنْكَارُ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقَدْ كَانَ لَهُ فِي قَبُولِ الْحَدِيثِ رَأْيٌ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُحَدِّثَ ، وَلَا يَقْبَلَ حَدِيثَهُ إِلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ ، وَقَالَ: مَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا اسْتَحْلَفْتُهُ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ ، وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ . وَهَذَا مَذْهَبٌ لَا يَقُولُ بِهِ الْفُقَهَاءُ . وَأَمَّا الْوَاقِدِيُّ ، فَلَمْ يَقْدَحْ فِيهِ إِلَّا بِأَنَّهُ وَرَدَ مِنَ الْكُوفَةِ ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِقَدْحٍ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ قَضَايَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَبَائِلِ الَّتِي انْتَشَرَ أَهْلُهَا فَصَارُوا إِلَى الْكُوفَةِ فَرَوَوْهُ بِهَا ثُمَّ نُقِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْحَدِيثِ ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرَ صَحِيحٍ ، فَالْمَهْرُ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَإِنْ صَحَّ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا . فَذَهَبَ أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ وَجُمْهُورُ الْبَصْرِيِّينَ إِلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ . وَذَهَبَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجُمْهُورُ الْبَغْدَادِيِّينَ إِلَى أَنَّ وُجُوبَ الْمَهْرِ مَعَ صِحَّتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّهَا فَوَّضَ نِكَاحَهَا ، فَلَمْ يَصِحَّ التَّفْوِيضُ ، أَوْ تَكُونَ مُفَوَّضَةَ الْمَهْرِ دُونَ الْبُضْعِ ، فَإِنْ فُرِضَ لَهَا مَهْرٌ مَجْهُولٌ فَلِاحْتِمَالِهِ مَعَ الصِّحَّةِ كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَأَمَّا اعْتِبَارُ الْمَوْتِ بِالدُّخُولِ: فَفِي الدُّخُولِ إِتْلَافٌ يَجِبُ بِهِ الْغُرْمُ بِخِلَافِ الْمَوْتِ . وَأَمَّا اعْتِبَارُ التَّفْوِيضِ بِالْمُسَمَّى: فَالْمُسَمَّى يَجِبُ بِالطَّلَاقِ نِصْفُهُ فَكَمَلَ بِالْمَوْتِ . وَالْمُفَوَّضَةُ لَمْ يَجِبْ لَهَا بِالطَّلَاقِ نِصْفُهُ ، فَلَمْ يَكْمُلْ لَهَا بِالْمَوْتِ جَمِيعُهُ . وَأَمَّا اعْتِبَارُ الْمَهْرِ بِالْعِدَّةِ: فَقَدْ تَجِبُ الْعِدَّةُ بِإِصَابَةِ السَّفِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مَهْرٌ ، فَكَذَلِكَ الْمَوْتُ فِي الْمُفَوَّضَةِ . فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مُسْلِمَةً ، أَوْ ذِمِّيَّةً ، فِي أَنَّ الْمَهْرَ إِنْ وَجَبَ لِلْمُسْلِمَةِ ، وَجَبَ لِلذِّمِّيَّةِ . وَإِنْ سَقَطَ لِلْمُسْلِمَةِ سَقَطَ لِلذِّمِّيَّةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أُوجِبُ الْمَهْرَ لِلْمُسْلِمَةِ ، وَأُسْقِطُهُ لِلذِّمِّيَّةِ ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ ثُبُوتَ الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ لَا يُؤَاخَذُونَ بِحُقُوقِ اللَّهِ ، وَيُؤَاخَذُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ ، فَلِذَلِكَ سَقَطَ مَهْرُ الذِّمِّيَّةِ ، لِسُقُوطِهِ مِنَ الْعَقْدِ ، وَوَجَبَ مَهْرُ الْمُسْلِمَةِ لِوُجُوبِهِ فِي الْعَقْدِ . وَهَذَا فَاسِدٌ ، بَلِ الْمَهْرُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمَحْضَةِ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ ، وَالْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ لِاسْتِحْقَاقِهِ بِالطَّلَبِ وَسُقُوطِهِ بِالْعَفْوِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت