فهرس الكتاب

الصفحة 4479 من 8432

وَوَلِيمَةُ الْمَأْدُبَةِ: هِيَ الْوَلِيمَةُ لِغَيْرِ سَبَبٍ . فَإِنَّ خُصَّ بِالْوَلِيمَةِ جَمِيعُ النَّاسِ سُمِّيَتْ جَفَلَى ، وَإِنْ خُصَّ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ ، سُمِّيَتْ نَقَرَى ، قَالَ الشَّاعِرُ: نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى لَا تَرَى الْآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرُ فَهَذِهِ السِّتَّةُ يَنْطَلِقُ اسْمُ الْوَلَائِمِ عَلَيْهَا ، وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْوَلِيمَةِ يَخْتَصُّ بِوَلِيمَةِ الْعُرْسِ ، وَيَتَنَاوَلُ غَيْرَهَا مِنَ الْوَلَائِمِ بِقَرِينَةٍ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلِيمَةِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَلْمِ ، وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْقَيْدُ الْوَلْمُ ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الرِّجْلَيْنِ ، فَتَنَاوَلَتْ وَلِيمَةَ الْعُرْسِ ؛ لِاجْتِمَاعِ الزَّوْجَيْنِ فِيهَا ، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْوَلَائِمِ تَشْبِيهًا بِهَا ، فَإِذَا أُطْلِقَتِ الْوَلِيمَةُ تَنَاوَلَتْ وَلِيمَةَ الْعُرْسِ ، فَإِنْ أُرِيدَ غَيْرُهَا ، قِيلَ: وَلِيمَةُ الْخُرْسِ ، أَوْ وَلِيمَةُ الْإِعْذَارِ ، وَقَدْ أَفْصَحَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا ، ثُمَّ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ وَلِيمَةَ غَيْرِ الْعُرْسِ هل هي واجبة ؟ لَا تَجِبُ . فَأَمَّا وَلِيمَةُ الْعُرْسِ فَقَدْ عَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْكَلَامَ فِي وُجُوبِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَالَ:"وَمَنْ تَرَكَهَا لَمْ يَبِنْ لِي أَنَّهُ عَاصٍ ، كَمَا يَبِينُ لِي فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ". فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَّجَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ؛ لِمَا رُوِيَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ الْخَلُوقِ ، فَقَالَ لَهُ: مَهْيَمْ - أَيْ مَا الْخَبَرُ - ؟ قَالَ: أَعْرَسْتُ ، فَقَالَ لَهُ: أَوْلَمْتَ ؟ قَالَ: لَا ، قَالَ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ . وَهَذَا أَمْرٌ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَنْكَحَ قَطُّ إِلَّا أَوْلَمَ فِي ضِيقٍ أَوْ سَعَةٍ ، وَأَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ فِي سَفَرِهِ بِسَوِيقٍ وَتَمْرٍ ، وَلِأَنَّ فِي الْوَلِيمَةِ إِعْلَانٌ لِلنِّكَاحِ ؛ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السِّفَاحِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ إِجَابَةُ الدَّاعِي إِلَيْهَا وَاجِبَةً ، دَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْوَلِيمَةِ وَاجِبٌ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْمُسَبَّبِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ السَّبَبِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ وُجُوبَ قَبُولِ الْإِنْذَارِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْإِنْذَارِ . وَالثَّانِي - وَهُوَ الْأَصَحُّ -: أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ ؛ وَلِأَنَّهُ طَعَامٌ لِحَادِثِ سُرُورٍ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْوَلَائِمِ . وَلِأَنَّ سَبَبَ هَذِهِ الْوَلِيمَةِ عَقْدُ النِّكَاحِ وَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ ، فَفَرْعُهُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَاجِبٍ . وَلِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَتَقَدَّرَتْ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ ؛ وَلَكَانَ لَهَا بَدَلٌ عِنْدَ الْإِعْسَارِ ، كَمَا يَعْدِلُ الْمُكَفِّرُ فِي إِعْسَارِهِ إِلَى الصِّيَامِ ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ تَقْدِيرِهَا وَبَدَلِهَا عَلَى سُقُوطِ وُجُوبِهَا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت