مَنْفَعَةٍ ، وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: إِنْ كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً لِلزِّينَةِ حَرُمَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً لِلْمَنْفَعَةِ ؛ لِتَسْتُرَ بَابًا أَوْ تَقِيَ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ جَازَ ، وَلَمْ يَحْرُمْ ؛ لِأَنَّ الْعُدُولَ بِهَا عَنِ الزِّينَةِ إِلَى الْمَنْفَعَةِ يُخْرِجُهَا عَنْ حُكْمِ الصِّيَانَةِ إِلَى الْبِذْلَةِ . وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالشَّيْءِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُصَانًا عَظِيمًا ، فَحَرُمَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْحَالَيْنِ ، وَسَقَطَ بِهَا فَرْضُ الْإِجَابَةِ إِلَى الْوَلِيمَةِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ السُّتُورُ بِغَيْرِ صُوَرِ ذَاتِ أَرْوَاحٍ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُسْتَعْمَلَ لِحَاجَةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ ؛ لِأَنَّهَا تَسْتُرُ بَابًا أَوْ تَقِي مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ ، فَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِهَا . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ زِينَةً لِلْجُدْرَانِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَيْهَا وَلَا مَنْفَعَةٍ بِهَا ، فَهِيَ سَرَفٌ مَكْرُوهٌ ، رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"إِنَ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا فِيمَا رَزَقَنَا أَنْ نَكْسُوَا الْجُدْرَانَ وَاللَّبِنَ"، لَكِنْ لَا يَسْقُطُ بِهَذِهِ السُّتُورِ فَرْضُ الْإِجَابَةِ لِلْوَلِيمَةِ ؛ لِأَنَّ حَظْرَهَا لِلْمُسْرِفِ فِي الِاسْتِعْمَالِ لَا لِلْمَعْصِيَةِ فِي الْمُشَاهَدَةِ .
فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ فِي تَحْرِيمِ صُوَرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ مِنْ صُوَرِ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا كَانَ مُسْتَحْسَنًا مِنْهَا أَوْ مُسْتَقْبَحًا ، أَوْ مَا كَانَ مِنْهَا عَظِيمًا أَوْ مُسْتَصْغَرًا ، إِذَا كَانَتْ صُوَرَ حَيَوَانٍ مُشَاهَدٍ . أَمَّا صُورَةُ حَيَوَانٍ لَمْ يُشَاهَدْ مِثْلُهُ حكم الصور ، مِثْلُ صُورَةِ طَائِرٍ لَهُ وَجْهُ إِنْسَانٍ أَوْ صُورَةِ إِنْسَانٍ لَهُ جَنَاحُ طَيْرٍ ، فَفِي تَحْرِيمِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ ، بَلْ يَكُونُ أَشَدَّ تَحْرِيمًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَبْدَعَ فِي خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فِيهِ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهِ أَبَدًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ -: لَا تَحْرُمُ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِالتَّزَاوِيقِ الْكَاذِبَةِ أَشْبَهَ مِنْهُ بِالصُّوَرِ الْحَيَوَانِيَّةِ . فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَوِّرَ وَجْهَ إِنْسَانٍ بِلَا بَدَنٍ ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: لَا يَحْرُمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"فِي نَثْرِ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالسُّكَرِ فِي الْعُرْسِ ، لَوْ تُرِكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ ؛ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ بِخِلْسَةٍ وَنُهْبَةٍ ، وَلَا يَبِينُ أَنَّهُ حَرَامٌ ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يَغْلِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَيَأْخُذُ مَنْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَى صَاحِبِهِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا نَثْرُ السُّكَّرِ وَاللَّوْزِ فِي الْعُرْسِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ طِيبٍ أَوْ دَرَاهِمَ ، فَمُبَاحٌ إِجْمَاعًا ، اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ الْجَارِي فِيهِ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ زَوَّجَ عَلِيًّا بِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا نَثَرَ عَلَيْهِمَا ، لَكِنِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِحْبَابِهِ وَكَرَاهِيَتِهِ ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ