فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 8432

وَالثَّانِي: أَنَّ الِاسْمَ إِذَا تَنَاوَلَ شَيْئَيْنِ عَلَى سَوَاءٍ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى أَشْهَرِهِمَا أَوْلَى ، وَالْأَحْمَرُ مِنَ الشَّفَقَيْنَ أَشْهَرُ فِي اللِّسَانِ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: صَبَغْتُ ثَوْبِي شَفَقًا ، وَقِيلَ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [ الِانْشِقَاقِ: ] . أَنَّهُ الْحُمْرَةُ . قَالَ الشَّاعِرُ: رَمَقْتُهَا بِنَظْرَةٍ مِنْ ذِي عَلَقْ قَدْ أَثَّرَتْ فِي خَدِّهَا لَوْنَ الشَّفَقِ وَرَوَى حَبِيبُ بْنُ سَالِمٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ ، صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَلَاثَةٍ". وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَمَرَ يَسْقُطُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الشَّفَقِ الْأَبْيَضِ وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عِشَاءَ الْآخِرَةِ قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ ، وَبِالْإِجْمَاعِ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ قَبْلَ الْأَحْمَرِ فَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّاهَا بَعْدَ الْأَحْمَرِ وَقَبْلَ الْأَبْيَضِ وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ فَقَدْ وَجَبَتِ الصَّلَاةُ وَالشَّافِعِيُّ رَوَاهُ مَوْقُوفًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَقَدْ أَسْنَدَهُ غَيْرُهُ ، وَلِأَنَّ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْأَعْصَارِ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ أَنَّهُمْ عَلَى إِقَامَتِهَا عِنْدَ سُقُوطِ الْأَحْمَرِ لَا يَتَنَاكَرُونَهُ بَيْنَهُمْ ، وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي فِعْلِهِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ ، وَلِأَنَّ الشَّفَقَ الْأَبْيَضَ قَدْ رُوعِيَ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ وَبَعْضِ الْبُلْدَانِ فَوُجِدَ لَابِثًا إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَرُوِيَ عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: رَاعَيْتُهُ فَلَمْ يَغِبْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ . وَكَانَ يَتَنَقَّلُ مِنْ جَوٍّ إِلَى جَوٍّ ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ إِذَا رَاعَاهُ فِي جِبَالِ الْيَمَنِ ، فَلَمْ يَغِبْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ ، وَإِذَا كَانَ الْأَبْيَضُ بِهَذِهِ الْحَالِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ وَقْتًا لِصَلَاةٍ ، وَلِأَنَّ الطَّوَالِعَ ثَلَاثَةٌ الْفَجْرَانِ ، وَالشَّمْسُ ، وَالْغَوَارِبُ ثَلَاثَةٌ الشَّفَقَانِ ، وَالشَّمْسُ ، فَلَمَّا وَجَبَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ بِالطَّالِعِ الْأَوْسَطِ وَهُوَ الْفَجْرُ الصَّادِقُ اقْتَضَى أَنْ تَجِبَ الْعِشَاءُ بِالْغَارِبِ الْأَوْسَطِ - وَهُوَ الشَّفَقُ الْأَحْمَرُ - وَلِأَنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ وَصَلَاةَ الْعِشَاءِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ ، فَلَمَّا وَجَبَتِ الصُّبْحُ بِأَقْرَبِ الْفَجْرَيْنِ مِنَ الشَّمْسِ ، اقْتَضَى أَنْ تَجِبَ الْعِشَاءُ بِأَقْرَبِ الشَّفَقَيْنِ مِنَ الشَّمْسِ ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ تَجِبُ بِانْتِقَالِ أَحَدِ النَّيِّرَيْنِ فَوَجَبَ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِأَنْوَرِهِمَا كَالصُّبْحِ وَأَمَّا الْآيَةُ فَتَأْوِيلُ الْغَسَقِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَأَحَدُ تَأْوِيلَيْهِ أَنَّهُ إِقْبَالُ اللَّيْلِ وَدُنُوُّهُ ، فَسَقَطَ الدَّلِيلُ بِهَذَا التَّأْوِيلِ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت