وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ نَزَعَ بَعْدَ إِيلَاجِهِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْإِيلَاجَ بَعْدَهُ ، فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا بِالْإِيلَاجِ الثَّانِي: لِأَنَّهَا طُلِّقَتْ بِالْإِيلَاجِ الْأَوَّلِ فَصَارَ مُسْتَأْنِفًا لِلْإِيلَاجِ الثَّانِي بَعْدَ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ فَلَزِمَهُ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ حِينَ أَوْلَجَ اسْتَدَامَ الْإِيلَاجَ وَلَمْ يَنْزَعْ حَتَّى أَنْهَى جِمَاعَهُ فَفِي وُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا مَهْرَ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا بِأَوَّلِهِ فَإِنَّهُ كَانَ وَهِيَ زَوْجَةٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي عَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ اعْتِبَارًا بِآخِرِهِ: لِأَنَّهُ كَانَ وَهِيَ مُطَلَّقَةٌ .
فَصْلٌ: وَإِذَا قَدْ مَضَى مَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ السُّنَّةُ فِي زَمَانِهِ . وَمَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقُ الْبِدْعَةِ فِي زَمَانِهِ . فَقَدِ اسْتَقَرَّ لَكَ زَمَانُ الطَّلَاقَيْنِ فَاعْتَبِرْهُمَا فِيمَا تَفَرَّعَ مِنْهُمَا . فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا لِلسُّنَّةِ فما الحكم كَانَتْ طَالِقًا لِلْبِدْعَةِ ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَخْلُ هَذَا الطَّلَاقُ مِنْ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ كَانَ نَفْيُ إِحْدَاهُمَا إِثْبَاتًا لِلْأُخْرَى . وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا لِلْبِدْعَةِ ، فما الحكم كَانَتْ طَالِقًا لِلسُّنَّةِ: لِأَنَّ فِي نَفْيِ الْبِدْعَةِ إِثْبَاتًا لِضِدِّهَا وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوِ الْبِدْعَةِ . رَجَعَ إِلَى خِيَارِهِ لِيُوقِعَ مَا شَاءَ مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ أَوِ الْبِدْعَةِ: لِأَنَّ لَفْظَةَ"أَوْ"مَوْضُوعَةٌ لِلتَّخْيِيرِ . وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ لِتَعَارُضِ الصِّفَتَيْنِ وَتَنَافِي اجْتِمَاعِهِمَا فَأُلْغِيَتَا . ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْحَالِ: فَإِنْ كَانَ زَمَانَ الْبِدْعَةِ كَانَ طَلَاقَ بِدْعَةٍ ، وَإِنْ كَانَ زَمَانَ السُّنَّةِ كَانَ طَلَاقَ سُنَّةٍ ، وَهَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا لِلسُّنَّةِ وَلَا لِلْبِدْعَةِ طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ ، لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ فِي النَّفْيِ بَيْنَ صِفَتَيْنِ لَابُدَّ مِنْ وُجُودِ إِحْدَاهُمَا فَسَقَطَ حُكْمُ نَفْيِهِ وَتَعَجَّلَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فَإِنْ كَانَ زَمَانَ السُّنَّةِ كَانَ طَلَاقَ سُنَّةٍ ، وَإِنْ كَانَ زَمَانَ الْبِدْعَةِ كَانَ طَلَاقَ بِدْعَةٍ . وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي السُّنَّةِ وَأَنْتِ طَالِقٌ بِالسُّنَّةِ فما الحكم كَانَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ ، فَيَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقَ السُّنَّةِ ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِالْبِدْعَةِ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ فِي الْبِدْعَةِ فما الحكم كَانَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ فَيَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقُ الْبِدْعَةِ . وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقَ الْحَرَجِ فما الحكم فَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ طَلَاقُ الثَّلَاثِ . وَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ فِيهِ نَصٌّ ، لَكِنْ قِيَاسُ مَذْهَبِهِ أَنْ يَكُونَ طَلَاقَ بِدْعَةٍ . فَيَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقُ الْبِدْعَةِ ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسَّاعَةِ وَقَعَ عَلَيْهَا طَلَاقُ السُّنَّةِ .
فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا لِلسُّنَّةِ وَالْأُخْرَى لِلْبِدْعَةِ ، وَقَعَتْ إِحْدَى الطَّلْقَتَيْنِ فِي الْحَالِ ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ حَالَ سُنَّةٍ أَوْ بِدْعَةٍ . فَإِنْ كَانَتْ حَالَ سُنِّيَّةٍ كَانَتِ الْأُولَى سُنِّيَّةً فَوَقَعَتِ الثَّانِيَةُ فِي زَمَانِ الْبِدْعَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ حَالَ بِدْعَةٍ كَانَتِ الْأُولَى بِدْعِيَّةً فَوَقَعَتِ الثَّانِيَةُ فِي زَمَانِ السُّنَّةِ .