فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَقْسِيمِ الْمِيَاهِ فَجَمِيعُ الْفُرُوعِ مُرَتَّبٌ عَلَيْهَا وَمُسْتَفَادٌ مِنْهَا فَمِنْ فُرُوعٍ هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ وَالْبُرَّ وَالشَّعِيرَ إِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَغَيَّرَهُ استعمال الماء في هذه الحالة ، فَإِنْ كَانَ بِحَالِهِ صَحِيحًا لَمْ يَنْحَلَّ فِي الْمَاءِ فَاسْتِعْمَالُهُ جَائِزٌ ، لِأَنَّهُ تَغْيِيرُ مُجَاوَرَةٍ كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ بِالْخَشَبِ وَإِنْ ذَابَ فِي الْمَاءِ وَانْحَلَّ فَاسْتِعْمَالُهُ غَيْرُ جَائِزٍ ، لِأَنَّهُ تَغْيِيرُ مُخَالَطَةٍ كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ بِمَذْرُورِ الزَّعْفَرَانِ وَالْعُصْفُرِ ، وَهَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ الْحُبُوبِ مِنَ الْأُرْزِ وَالْحِمَّصِ وَالْعَدَسِ وَإِنْ طُبِخَ بِالنَّارِ فَإِنِ انْحَلَّتْ فِي الْمَاءِ استعمال الماء في هذه الحالة فَاسْتِعْمَالُهُ غَيْرُ جَائِزٍ ، وَإِنْ لَمْ يَنْحَلَّ وَلَا تَغَيَّرَ بِهَا الْمَاءُ فَاسْتِعْمَالُهُ جَائِزٌ ، وَإِنْ تَغَيَّرَ بِهَا الْمَاءُ مِنْ غَيْرِ انْحِلَالِ أَجْزَائِهَا فَفِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ كَمَا لَوْ يَتَغَيَّرُ بِلَا انْحِلَالٍ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ . وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ ، لِأَنَّهُ بِالطَّبْخِ صَارَ مَرَقًا . وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ الْقَطِرَانَ إِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَغَيَّرَهُ استعمال الماء في هذه الحالة فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ: لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ كَمَا وَهَمَ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، وَلَكِنَّ الْقَطِرَانَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: الْأَوَّلُ: ضَرْبٌ فِيهِ دُهْنِيَّةٌ فَتَغَيُّرُ الْمَاءِ بِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ بِدُهْنٍ . وَالثَّانِي: ضَرْبٌ لَا دُهْنِيَّةَ فِيهِ فَتَغَيُّرُ الْمَاءِ فِيهِ مَانِعٌ مِنْ جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ كَمَا لَوْ يَتَغَيَّرُ بِمَائِعٍ . وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْفَصْلِ: أَنَّ الْمَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ بِالشَّمْعِ استعمال الماء في هذه الحالة جَازَ اسْتِعْمَالُهُ ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ بِدُهْنٍ ، وَلَوْ تَغَيَّرَ شَحْمٌ أُذِيبَ فِيهِ بِالنَّارِ استعمال الماء في هذه الحالة كَانَ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِأَنَّ الشَّحْمَ دُهْنٌ . وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لِأَنَّ مُخَالَطَةَ الشَّحْمِ لِلْمَاءِ تَجْعَلُهُ مَرَقًا . وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْفَصْلِ: أَنَّ الْمَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ بِالْكَافُورِ استعمال الماء في هذه الحالة فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: حَالٌ يُعْلَمُ انْحِلَالَ الْكَافُورِ فِيهِ فَاسْتِعْمَالُهُ غَيْرُ جَائِزٍ ، لِأَنَّهُ تَغَيُّرُ مُخَالَطَةٍ . وَحَالٌ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَنْحَلَّ فِيهِ فَاسْتِعْمَالُهُ جَائِزٌ ، لِأَنَّهُ تَغَيُّرُ مُجَاوَرَةٍ . وَحَالَةُ شَكٍّ فِيهِ ، فَيُنْظَرُ فِي صَفَاءِ التَّغَيُّرِ ، فَإِنْ تَغَيَّرَ الطَّعْمُ دُونَ الرَّائِحَةِ فَهُوَ دَالٌّ عَلَى تَغَيُّرِ الْمُخَالَطَةِ وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ ، وَإِنْ كَانَ تَغَيُّرَ الرِّيحُ فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَغْلِبَ فِيهِ تَغَيُّرُ الْمُخَالَطَةِ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَغْلِبُ تَغَيُّرُ الْمُجَاوَرَةِ فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ .