فهرس الكتاب

الصفحة 4703 من 8432

وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِدُخُولِ الدَّارِ ، فَحَسْبُنَا بِهِ دَلِيلًا ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ إِذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا صَحَّ ، بِدُخُولِ الدَّارِ لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا بِوُجُودِ الدُّخُولِ مِنْهَا ، كَذَلِكَ إِذَا خَيَّرَهَا فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَخْتَارَ طَلَاقَ نَفْسِهَا ، فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ النِّيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ مِنْهُمَا ، وَأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إِلَّا بِنِيَّتِهِمَا فَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا . وَالثَّانِيَةُ: أَنْ تَخْتَارَ زَوْجَهَا . وَالثَّالِثَةُ: أَلَّا يَكُونَ لَهَا اخْتِيَارٌ . فَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا ، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا اخْتِيَارٌ لَمْ تُطَلَّقْ ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ: عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طُلِّقَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ تُطَلَّقْ ، وَقَالَ رَبِيعَةُ: إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طُلِّقَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا ، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طُلِّقَتْ ثَلَاثًا ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا طُلِّقَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اخْتِيَارَهَا لِزَوْجِهَا لَا يَكُونُ طَلَاقًا ، مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَخْيِيرِ نِسَائِهِ بَدَأَ بِي ، فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [ الْأَحْزَابِ: ] الْآيَةَ . فَقُلْتُ فِي أَيِّ هَذَيْنِ أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ، فَاخْتَرْنَهُ طَلَاقًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُنَّ اخْتَرْنَهُ". وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ أَيْضًا: أَنَّ اخْتِيَارَهَا لِزَوْجِهَا ضِدُّ اخْتِيَارِهَا لِنَفْسِهَا ، فَلَمَّا طُلِّقَتْ بِاخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا ، وَجَبَ أَلَّا تُطَلَّقَ بِاخْتِيَارِ زَوْجِهَا ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ الضِّدَّيْنِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْحُكْمَيْنِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً ، وَلَا تَكُونُ ثَلَاثًا وَلَا وَاحِدَةً بَائِنَةً ، مَا قَدَّمْنَا فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ إِذَا وَقَعَ بِالْكِنَايَةِ ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا أَمْرُكِ بِيَدِكِ ، فَقَالَتْ: قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي الطلاق أَوْ قَالَ لَهَا: أَبِينِي نَفْسَكِ ، فَقَالَتْ: قَدْ أَبَنْتُ نَفْسِي ، الطلاق وَهَكَذَا لَوِ اخْتَلَفَتِ الْكِنَايَةُ مِنْهُمَا ، فَقَالَ لَهَا: حَرِّمِي نَفْسَكِ فَقَالَتْ: قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي ، أَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي نَفْسَكِ ، فَقَالَتْ قَدْ حَرَّمْتُ نَفْسِي لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ حَتَّى يَنْوِيَاهُ جَمِيعًا ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت