فهرس الكتاب

الصفحة 4758 من 8432

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْإِغْلَاقُ كَالْإِكْرَاهِ ، يَعْنِي أَنَّهُ كَالْمُغْلَقِ عَلَيْهِ اخْتِيَارُهُ ، فَإِنْ قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْجُنُونُ لِأَنَّهُ مُعَلَّقُ الْإِرَادَةِ فَفِيهِ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ أَقْوَمُ بِمَعَانِيهَا مِنْ غَيْرِهِمْ فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى مَا قَرَّرَهُ أَوْلَى . وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ فَيَكُونُ أَعَمَّ . وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . قَالَهُ خَمْسَةٌ مِنْهُمْ ، لَمْ يَظْهَرْ مُخَالِفٌ لَهُمْ ، مِنْهُمْ عُمَرُ رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، أَنَّ رَجُلًا تَدَلَّى بِحَبْلٍ يَشْتَارُ - أَيْ يَجْتَنِي عَسَلًا - فَأَدْرَكَتْهُ امْرَأَةٌ ، فَحَلَفَتْ لَتَقْطَعَنَّ الْحَبْلَ أَوْ لِيُطَلِّقَنَّهَا ثَلَاثًا فَذَكَّرَهَا اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ فَحَلَفَتْ لَتَفْعَلَنَّ أَوْ لِيَفْعَلَنَّ ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَلَمَّا خَرَجَ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَذَكَرَ لَهُ الَّذِي كَانَ مِنَ امْرَأَتِهِ إِلَيْهِ ، وَالَّذِي كَانَ مِنْهُ إِلَيْهَا ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى امْرَأَتِكَ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِطَلَاقٍ . وَمِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَانَ لَا يَرَى طَلَاقَ الْمُكْرَهِ شَيْئًا ، وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمُكْرَهِ وَالْمُضْطَهَدِ طَلَاقٌ ، وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ كَانَا يَرَيَانِ مِثْلَ ذَلِكَ . وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ لَفْظٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ بِهِ حُكْمٌ ، كَالْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالطَّلَاقِ فَإِنْ قِيلَ: لَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الْإِيقَاعِ بِالْإِقْرَارِ ، لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الرَّضَاعِ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ وَالْإِكْرَاهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالرَّضَاعِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمٌ ، وَالْإِكْرَاهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْإِسْلَامِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرٌ بِهِ يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ ، وَخَالَفَ الْإِيقَاعَ الَّذِي لَا يَدْخُلُهُ صِدْقٌ وَلَا كَذِبٌ . فَعَنْ ذَلِكَ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِقْرَارَ الْمُكْرَهِ لَمْ يَرْتَفِعْ لِاحْتِمَالِ دُخُولِ الصِّدْقِ ، وَالْكَذِبِ فِيهِ ، لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ احْتِمَالِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ مَوْجُودٌ فِي إِقْرَارِ الْمُخْتَارِ ، وَطَلَاقُهُ وَاقِعٌ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِيهِ الْإِكْرَاهُ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْإِيقَاعِ . وَالثَّانِي: هُوَ أَنَّ الرَّضَاعَ فِعْلٌ لَا يُرَاعَى فِيهِ الْقَصْدُ ، فَاسْتَوَى فِيهِ حُكْمُ الْمُكْرَهِ وَالْمُخْتَارِ ، وَالْإِقْرَارُ قَوْلٌ يُرَاعَى فِيهِ الْقَصْدُ ، فَافْتَرَقَ فِيهِ حُكْمُ الْمُكْرَهِ وَالْمُخْتَارِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَجْنُونَةَ لَوْ أَرْضَعَتْ ثَبَتَ بِهِ حُكْمُ التَّحْرِيمِ ، وَلَوْ أَقَرَّتْ بِهِ لَمْ يَثْبُتْ . وَالْمَجْنُونُ لَوْ أَوْلَدَ أَمَتَهُ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ ، وَلَوْ أَعْتِقَهَا لَمْ تَعْتِقْ ، فَافْتَرَقَ حُكْمُ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِرْضَاعِ ، وَحُكْمُ الْإِقْرَارِ بِالرَّضَاعِ ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا فِعْلٌ وَالْآخَرَ قَوْلٌ . وَاسْتَوَى حُكْمُ الْإِكْرَاهِ عَلَى إِيقَاعِ الطَّلَاقِ وَعَلَى الْإِقْرَارِ ، لِأَنَّ كِلَيْهِمَا قَوْلُهُ ، وَأَمَّا الْإِكْرَاهُ عَلَى فِعْلِ الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّمَا يَصِحُّ وَيَثْبُتُ فِيمَنْ كَانَ حَرْبِيًّا فَيُدْعَى بِالسَّيْفِ إِلَى الْإِسْلَامِ ، لِأَنَّ إِكْرَاهَهُ عَلَيْهِ وَاجِبٌ قَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ ، وَلَا يَصِحُّ إِكْرَاهُ الذِّمِّيِّ الْبَاذِلِ لِلْجِزْيَةِ ، لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ ، فَكَانَ إِكْرَاهُهُ عَلَيْهِ ظُلْمًا ، فَلَمْ يَصِحَّ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت