فَطُلِّقَتَا ، كَمَا لَوْ شَرَكَ بَيْنَهُمَا . وَقَالَ دَاوُدُ: لَا طَلَاقَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِأَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ . وَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ مَدْخُولٌ وَيَلْزَمُهُ طَلَاقُ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى لِرِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ عُمَانَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ لِي ثَلَاثَ نِسْوَةٍ وَإِنِّي طَلَّقْتُ إِحْدَاهُنَّ ، فَثَبَتَ طَلَاقُهَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ كُنْتَ نَوَيْتَ طَلَاقَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِعَيْنِهَا ، ثُمَّ أُنْسِيتَهَا فَقَدِ اشْتَرَكْنَ فِي الطَّلَاقِ ، كَمَا يَشْتَرِكْنَ فِي الْمِيرَاثِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَوَيْتَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِعَيْنِهَا ، فَطَلِّقْ أَيَّتَهُنَّ شِئْتَ وَأَمْسِكِ الْبَاقِيَتَيْنِ . وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَيْسَ أَعْرِفُ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا فَصَارَ إِجْمَاعًا . وَقَوْلُهُ: إِنْ كُنْتَ نَوَيْتَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِعَيْنِهَا ، ثُمَّ أُنْسِيتَهَا فَقَدِ اشْتَرَكْنَ فِي الطَّلَاقِ ، يَعْنِي فِي تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ لَا فِي وُقُوعِهِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، وَلِأَنَّ الْحَظْرَ وَالْإِبَاحَةَ إِذَا اجْتَمَعَا لَمْ يَغْلِبْ حُكْمُ الْإِبَاحَةِ إِجْمَاعًا ، فَسَقَطَ بِهِ قَوْلُ دَاوُدَ ، وَإِذَا أَمْكَنَ تَمْيِيزُهَا لَمْ يَغْلِبْ بِهِ حُكْمُ الْحَظْرِ ، فَبَطَلَ بِهِ قَوْلُ مَالِكٍ . وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ ، عَتَقَ أَحَدُهُمَا ، وَبَيَّنَ الْمُعْتَقَ مِنْهُمَا كَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَفِيمَا ذَكَرْنَا انْفِصَالٌ .
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يُطَلِّقُ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى . فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمُطَلَّقَةِ من حيث التعيين وعدمه مِنْهُمَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ ، إِمَّا أَنْ يُعَيِّنَهَا بِاللَّفْظِ أَوْ لَا يُعَيِّنَهَا ، فَإِنْ عَيَّنَهَا وَقْتَ لَفْظِهِ وَقَصَدَهَا بِإِشَارَتِهِ أَوْ تَسْمِيَتِهِ فَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَ الطَّلَاقَ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَسِيَهَا وَلَا أُشْكِلَتْ عَلَيْهِ سُئِلَ عَنْهَا وَأُخِذَ بِبَيَانِهَا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ نَسِيَهَا أَوْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي ظُلْمَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ ، وُقِفَ أَمْرُهَا وَأُخِذَ بِبَيَانِهَا بِالْكَشْفِ عَنِ الْحَالَةِ وَالتَّوَصُّلِ إِلَى زَوَالِ الْإِشْكَالِ ، فَإِذَا بَيَّنَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ قَوْلِهِ ، فَإِنْ صُدِّقَ عَلَيْهَا لَمْ يَحْلِفْ وَإِنْ كَذَّبَتَاهُ حَلَفَ لِلْبَاقِيَةِ مِنْهُمَا دُونَ الْمُطَلَّقَةِ ، لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَنِ الْمُطَلَّقَةِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، وَلَوْ رَجَعَ عَنِ الْبَاقِيَةِ قُبِلَ مِنْهُ ، وَكَانَ الطَّلَاقُ وَاقِعًا وَقْتَ لَفْظِهِ دُونَ بَيَانِهِ ، وَكَذَلِكَ الْفَتْرَةُ عَقِيبَ الطَّلَاقِ ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنِ الطَّلَاقَ وَقْتَ لَفْظِهِ وَأَرْسَلَهُ بَيْنَهُمَا فَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَهُ الْآنَ فِيمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، وَيَكُونَ الْأَمْرُ فِيهِ إِلَى خِيَارِهِ ، فَأَيَّتُهُمَا شَاءَ أَنْ يُعَيِّنَهَا بِالطَّلَاقِ فَعَلَ ، وَيُؤْخَذُ بِالْبَيَانِ فِي تَعْيِينِ الَّتِي شَاءَ طَلَاقَهَا ، فَإِذَا عَيَّنَهَا بِالطَّلَاقِ وَبَيَّنَهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ الطَّلَاقُ وَاقِعًا عَلَيْهَا مَنْ وَقْتِ اللَّفْظِ أَوْ وَقْتِ التَّعْيِينِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ وَقْتِ اللَّفْظِ ، لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الطَّلَاقَ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ وَقْتِ التَّعْيِينِ لِأَنَّهُ مَيَّزَ الطَّلَاقَ فَإِذَا قِيلَ بِهَذَا الْوَجْهِ اعْتَدَّتْ مَنْ وَقْتِ التَّعْيِينِ ، وَإِذَا قِيلَ بِالْأَوَّلِ فَفِي عِدَّتِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ وَقْتِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ ، بِاللَّفْظِ: لِأَنَّهَا تَتَعَقَّبُ بِالطَّلَاقِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: مِنْ وَقْتِ تَعْيِينِهِ ، وَإِنْ تَقَدَّمَ الطَّلَاقُ شَرَعَ بِغَلِيظِ الْأَمْرَيْنِ .