بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ في الصلاة وَأَنْ لَا فَرْضَ إِلَّا الْخَمْسَ مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَلَا يَجُوزُ لَأَحَدٍ صَلَاةُ فَرِيضَةٍ ، وَلَا نَافِلَةٍ ، وَلَا سُجُودُ قُرْآنٍ ، وَلَا جِنَازَةٍ ، إِلَّا مُتَوَجِّهًا إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ مَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى رُؤْيَتِهِ إِلَّا فِي حَالَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: النَّافِلَةُ فِي السَّفَرِ رَاكِبًا"قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ فَاسْتَقْبَلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جُمْلَةِ الْعُلَمَاءِ هَلِ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ بِرَأْيِهِ أَوْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ النبي صلى الله عليه وسلم عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ بِرَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَخْيِيرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ الْبَقَرَةِ: ] ، فَاخْتَارَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَعِكْرِمَةَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ يَسْتَقْبِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [ الْبَقَرَةِ: ] ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ أَرْبَعَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ إِلَّا لِيُعْلَمَ رَسُولِي وَأَوْلِيَائِي ، لِأَنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ إِضَافَةُ مَا فَعَلَهُ أَتْبَاعُ الرَّئِيسِ إِلَى الرَّئِيسِ كَمَا قَالُوا: فَتَحَ عُمَرُ سَوَادَ الْعِرَاقَ وَالثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا لِنَعْلَمَ [ الْبَقَرَةِ: ] ، بِمَعْنَى إِلَّا لِنَرَى ، وَالْعَرَبُ قَدْ تَضَعُ الْعِلْمَ مَكَانَ الرُّؤْيَةِ ، وَالرُّؤْيَةَ مَكَانَ الْعِلْمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [ الْفِيلِ: ] بِمَعْنَى أَلَمْ تَعْلَمْ وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَاهُ إِلَّا لِيَعْلَمُوا أَنَّنَا نَعْلَمُ ، أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا فِي شَكٍّ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهَا