فهرس الكتاب

الصفحة 5098 من 8432

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"أَوْ كَانَتْ مُشْرِكَةً الْتَعَنَتْ فِي الْكَنِيسَةِ وَحَيْثُ تُعَظِّمُ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا تَرَافَعَ إِلَى حُكَّامِنَا زَوْجَانِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي لِعَانٍ لَاعَنَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَوَاضِعِ الْمُعَظَّمَةِ عِنْدَهُمَا ، وَلَمْ يُلَاعِنْ فِي مَسَاجِدِنَا وَإِنْ كَانَتْ أَعْظَمَ حُرْمَةً ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِمَوَاضِعِ اللِّعَانِ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمُتَلَاعِنَانِ مِنْ تَعْظِيمِهِمَا وَعِظَمِ الْمَآثِمِ فِي هَتْكِ حُرْمَتِهَا ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ لَا يَرَوْنَ لِتَعْظِيمِ مَسَاجِدِنَا مَا يَرَوْنَهُ مِنْ تَعْظِيمِ بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ فَلِذَلِكَ خَصَّهُمْ بِالِالْتِعَانِ فِيهَا فَإِنْ كَانَا يَهُودِيَّيْنِ لَاعَنَ بَيْنَهُمَا فِي الْكَنِيسَةِ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ مَوَاضِعِهِمْ ، وَإِنْ كَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ لَاعَنَ بَيْنَهُمَا فِي بِيَعِهِمْ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ مَوَاضِعِهِمْ ، وَإِنْ كَانَا مَجُوسِيَّيْنِ لَاعَنَ بَيْنَهُمَا فِي بَيْتِ نِيرَانِهِمْ ، وَجَازَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْضُرَهَا فِي لِعَانِهِمْ ، لِأَنَّ حُضُورَهَا لَيْسَ بِمَحْظُورٍ ، وَإِنَّمَا إِظْهَارُ الْمَعَاصِي فِيهَا مَحْظُورٌ ، فَإِذَا لَمْ يُشَاهِدْهَا فِي بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ جَازَ الدُّخُولُ إِلَيْهَا .

فَصْلٌ: وَإِذَا غَلُظَ لِعَانُ الذِّمِّيِّينَ بِمَا يُعَظِّمُونَ مِنَ الْأَمْكِنَةِ كَانَ تَغْلِيظُهُ بِمَا يُعَظِّمُونَ مِنَ الْأَيْمَانِ مُعْتَبَرًا بِخُلُوِّهِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ ، فَمَا خَلَى مِنْ مَعْصِيَةٍ جَازَ تَغْلِيظُ أَيْمَانِهِمْ بِهِ كَقَوْلِهِ فِي لِعَانِ الْيَهُودِيَّيْنِ: - أَشْهَدُ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ، وَفِي لِعَانِ النَّصْرَانِيَّيْنِ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى ، فَقَدْ رَوَى جَابِرٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَرَادَ إِحْلَافَ الْيَهُودِ عِنْدَ إِنْكَارِهِمْ آيَةَ الرَّجْمِ قَالَ لَهُمْ:"بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى"فَأَمَّا مَا فِيهِ مِنْ أَيْمَانِهِمْ مَعْصِيَةٌ ، فَلَا يَجُوزُ تَغْلِيظُ لِعَانِهِمْ بِهِ كَقَوْلِ الْيَهُودِ: فِي عُزَيْرٍ: إِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ ، وَقَوْلِ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ ، أَوْ كَيَمِينِ غَيْرِهِمْ بِأَصْنَامِهِمْ وَأَوْثَانِهِمْ ، وَهَكَذَا لَا يَجُوزُ إِحْلَافُ الْيَهُودِ بِمُوسَى ، وَلَا إِحْلَافُ النَّصَارَى بِعِيسَى ، كَمَا لَا يَجُوزُ إِحْلَافُ الْمُسْلِمِينَ بِمُحَمَّدٍ ، لِأَنَّ الْأَيْمَانَ بِالْمَخْلُوقِينَ مَحْظُورٌ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: ( وَإِنْ شَاءَتِ الْمُشْرِكَةُ أَنْ تَحْضُرَهُ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا حَضَرَتْهُ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا يَكُونُ فِي لِعَانِ الْكِتَابِيَّةِ إِذَا كَانَتْ تَحْتَ مُسْلِمٍ فَيُلَاعِنُ الزَّوْجُ فِي الْمَسْجِدِ . فَأَمَّا الْكِتَابِيَّةُ فَلِعَانُهَا فِيمَا تُعَظِّمُهُ مِنْ بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ أَوْلَى مِنْ لِعَانِهَا فِي مَسَاجِدِنَا ، فَإِنْ وَافَقَهَا الزَّوْجُ عَلَى الْتِعَانِهِمَا فِي مَسَاجِدِنَا لَمْ يُمْنَعْ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ يُجَوِّزُ إِدْخَالَ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِلَى جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يُجَوِّزُ إِدْخَالَهُمْ إِلَى جَمِيعِهَا وَإِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَالِكٌ يَمْنَعُ مِنْ إِدْخَالِهِمْ إِلَى جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ كَمَا يُمْنَعُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِمَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [ التَّوْبَةِ: ] فَنَصُّهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت