وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ تَحِلَّ لَوَجَبَ أَنْ يَذْكُرَ شَرْطَ الْإِحْلَالِ كَمَا قَالَ فِي الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ: فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [ الْبَقَرَةِ: ] . وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ تَحْرِيمُ عَقْدٍ لَا يَرْتَفِعُ بِغَيْرِ تَكْذِيبٍ وَحَدٍّ فَوَجَبَ أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ بِالتَّكْذِيبِ وَالْحَدِّ كَالْمُصَاهَرَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلْفُرْقَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ تَحْرِيمُهُ بِالتَّكْذِيبِ كَالطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ يَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: مِنْهَا تَحْرِيمٌ يَرْتَفِعُ بِغَيْرِ عَقْدٍ كَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ مَعَ بَقَاءِ الْعِدَّةِ . وَمِنْهَا تَحْرِيمٌ يَرْتَفِعُ بِعَقْدٍ كَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ بَعْدَ الْعِدَّةِ . وَمِنْهَا تَحْرِيمٌ بِعَقْدٍ وَإِصَابَةِ زَوْجٍ كَالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ . وَمِنْهَا تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ كَتَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ وَالرِّضَاعِ ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ تَحْرِيمُ اللِّعَانِ مُلْحَقًا بِالْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ فِي شُرُوطِ الْإِبَاحَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُلْحَقًا بِالرَّابِعِ فِي تَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ . فَأَمَّا عُمُومُ الْآيَةِ فَمَخْصُوصٌ بِنَصِّ السُّنَّةِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مَعَ تَسْلِيمِ الْوَصْفِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ هُوَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَمَّا كَانَ مِنْهُ مَا لَا يَرْتَفِعُ الْعَقْدُ ضَعُفَ عَنْ تَحْرِيمِ الْأَبَدِ ، وَخَالَفَ تَحْرِيمَ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَثْبُتَ مَعَهُ الْعَقْدُ لِقُوَّتِهِ . أَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الرِّدَّةِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الرِّدَّةَ قَدْ لَا تَقَعُ بِهَا الْفُرْقَةُ إِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي الْعِدَّةِ . لَمْ يَتَأَبَّدْ تَحْرِيمُهَا إِذَا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِخِلَافِ اللِّعَانِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى النَّسَبِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ فَجَازَ أَنْ يُلْحِقَهُ بِالتَّكْذِيبِ ، وَارْتِفَاعُ التَّحْرِيمِ حَقٌّ لَهُ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فَصَارَ فِي النَّسَبِ مُقِرًّا وَفِي ارْتِفَاعِ التَّحْرِيمِ مُدَّعِيًا ، وَالْإِقْرَارُ مُلْزِمٌ وَالدَّعْوَى غَيْرُ مُلْزِمَةٍ ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ .
فَصْلٌ: وَإِذَا لَاعَنَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ أَمَةٌ ثُمَّ ابْتَاعَهَا حَرُمَ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لِتَأْبِيدِ تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ بِاللِّعَانِ ، وَلَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ ثَلَاثًا حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنِ ابْتَاعَهَا . فَفِي إِحْلَالِهَا لَهُ قَبْلَ زَوْجٍ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا عَلَى تَحْرِيمِهَا كَالْمُلَاعَنَةِ إِذَا اشْتَرَاهَا - فَلَا تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ الْمِلْكِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ بِالْمِلْكِ قَبْلَ زَوْجٍ ، لِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ مُخْتَصٌّ بِالنِّكَاحِ ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ ، وَتَحْرِيمَ اللِّعَانِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالنِّكَاحِ لِوُقُوعِهِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَوَطْءِ الشُّبْهَةِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِذَا الْتَعَنَ ثُمَّ قَالَتْ: صَدَقَ إِنِّي زَنَيْتُ فَالْوَلَدُ لَاحِقٌ وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ مَحْدُودَةً فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَنْ لَوْ كَانَ فَاسِقًا قَذَفَ عَفِيفَةً مُسْلِمَةً وَالْتَعَنَا نُفِيَ الْوَلَدُ وَهِيَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَصْدَقُ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَتْ فَاسِقَةً فَصَدَّقَتْهُ"