فهرس الكتاب

الصفحة 5153 من 8432

وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ: هُوَ أَزْنَاهُمَا بِظُنُونٍ أَفَالِي سَ مِمَّنْ يُقَادُ بِالتَّقْلِيدِ فَرَأَى النَّاسُ ذَلِكَ قَذْفًا لِلْأُمِّ ، وَلِهَذَا الشِّعْرِ حَدِيثٌ فِي هِجَاءِ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ قُتِلَ بِهِ الشَّاعِرُ ، فَوَضَحَ بِمَا ذَكَرْتُهُ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي قَذْفِ زَوْجَتِهِ يُحَدُّ فِيهِ وَلَا يَنْوِي ، وَأَمَّا فُلَانَةُ الَّتِي جَعَلَ زَوْجَتَهُ أَزْنَى مِنْهَا ، فَيُحْتَمَلُ مِنْ لَفْظِهِ فِيهَا أَحَدُ أَمْرَيْنِ ، إِمَّا الِاشْتِرَاكُ وَإِمَّا السَّلْبُ ، فَالِاشْتِرَاكُ كَقَوْلِهِمْ: زِيدٌ أَعْلَمُ مِنْ عَمْرٍو فَيَكُونُ شَرِيكًا بَيْنَهُمَا فِي الْعِلْمِ وَتَفْضِيلًا لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو فِيهِ ، وَأَمَّا السَّلْبُ فَكَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [ الْفُرْقَانِ: ] . فَكَانَ ذَلِكَ سَلْبًا لِلْخَيْرِ عَنْ أَهْلِ النَّارِ ؛ لِأَنَّهُ لَا خَيْرَ لَهُمْ فِيهَا ، وَإِذَا احْتَمَلَ لَفْظُهُ فِي فُلَانَةَ الِاشْتِرَاكَ وَالسَّلْبَ صَارَ كِنَايَةً يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى إِرَادَتِهِ ، فَإِنْ أَرَادَ الْجَمْعَ وَالتَّشْرِيكَ كَانَ قَذْفًا ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ السَّلْبَ وَالنَّفْيَ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ .

فَصْلٌ: أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَهُوَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ أَزْنَى النَّاسِ هل يعد ذلك قذفا ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ قَذْفًا إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَذْفًا ، فَجَعَلَهُ كِنَايَةً فِي الْقَذْفِ [ فَعَلَّلَ ] أَصْحَابُنَا هَذَا الْجَوَابَ حِينَ تَابَعُوهُ عَلَيْهِ ، بِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِجَمِيعِ النَّاسِ فِي الْمُبَالَغَةِ ، وَنَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ لَيْسُوا زُنَاةً ، فَيُعْلَمُ كَذِبُهُ يَقِينًا فَلَمْ يَكُنْ قَذْفًا صَرِيحًا ، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَكُونُ قَذْفًا صَرِيحًا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَفْظَ الْمُبَالِغَةِ فِي الصِّفَةِ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الْجَمَاعَةِ فِيهِمْ مُشَارِكٌ وَفِيهَا مُخَالِفٌ حُمِلَتْ عَلَى الْمُشَارِكِ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَةِ ، وَلَمْ تُحْمَلْ عَلَى الْمُخَالِفِ فِي نَفْيِهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ: زِيدٌ أَعْلَمُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، - وَمَعْلُومٌ أَنَّ بِالْبَصْرَةِ عُلَمَاءَ وَغَيْرَ عُلَمَاءَ - كَانَ مَحْمُولًا عَلَى إِثْبَاتِ عِلْمِهِ فِي التَّشْرِيكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جُهَّالِهَا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَنْتِ أَزْنَى النَّاسِ - وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي النَّاسِ زُنَاةً وَغَيْرَ زُنَاةٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى مُبَالَغَةِ إِضَافَتِهِ إِلَى الزُّنَاةِ ، وَلَيْسَ فِي الْقَذْفِ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا أَزْنَى مِنْ كُلِّ زَانٍ . وَالثَّانِي: أَنَّنَا لَوْ أَخْرَجْنَا هَذَا اللَّفْظَ مِنْ صَرِيحِ الْقَذْفِ لِلتَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِنْ تَيَقُّنِ كَذِبِهِ لَخَرَجَ بِهَذَا التَّعْلِيلِ مِنْ كِنَايَةِ الْقَذْفِ ، وَلَا يَصِيرُ قَاذِفًا وَإِنْ أَرَادَهُ ، لِأَنَّ الْقَذْفَ مَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ ، فَأَمَّا مَا قُطِعَ فِيهِ بِالصِّدْقِ أَوْ قُطِعَ فِيهِ بِالْكَذِبِ فَلَيْسَ بِقَذْفٍ ، أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ لِبِنْتِ شَهْرٍ: زَنَيْتِ ، لَمْ يَكُنْ قَذْفًا لِاسْتِحَالَتِهِ ، وَلَوْ قَذَفَ مَنْ ثَبَتَ زِنَاهَا لَمْ يَكُنْ قَذْفًا لِاسْتِحَالَتِهِ . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ قَذْفًا وَإِنْ أَرَادَهُ . فَأَخْرَجَهُ عَنْ صَرِيحِ الْقَذْفِ وَكِنَايَتِهِ تَصْحِيحًا لِهَذَا التَّعْلِيلِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت