فهرس الكتاب

الصفحة 5159 من 8432

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَذْفًا إِذَا لَمْ تَرَ أَنَّ الْأَحْكَامَ تُعْتَبَرُ بِحَقِيقَةِ اللَّفْظِ دُونَ مَجَازِهِ مِنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ إِذَا تَجَرَّدَ عَنْ نِيَّةٍ وَإِرَادَةٍ ، كَصَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِهِ ، وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ: زَنَأْتِ فِي الْجَبَلِ ، هُوَ الصُّعُودُ إِلَيْهِ وَالتَّرَقِّي فِيهِ ، يُقَالُ: زَنَأَ يَزْنَأُ وَزَنْوًا إِذْ صَعَدَ فِيهِ ، وَزَنَى يَزْنِي زِنًا ، إِذَا فَجَرَ ، يُمَدُّ وَيُقْصَرُ ، وَالْقَصْرُ أَكْثَرُ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي حَقِيقَةِ اللِّسَانِ وَعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ مَشْهُورٌ ، حُكِيَ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْعَرَبِ كَانَتْ تُرَقِّصُ ابْنًا وَهِيَ تَقُولُ: أَشْبِهْ أَبَا أُمِّكَ أَوْ أَشْبِهْ جَمَلْ وَلَا تَكُونَنَّ كَهِلَّوْفٍ وَكَلْ يُصْبِحُ فِي مَضْجَعِهِ قَدِ انْجَدَلْ وَارْقَ إِلَى الْخَيْرَاتِ زَنَأْ فِي الْجَبَلِ قَوْلُهَا:"أَشْبِهْ أَبَا أُمِّكَ"يَعْنِي أَبَاهَا الَّذِي هُوَ جَدُّهُ لِأُمِّهِ . وَأَشْبِهْ جَمَلْ هُوَ نَجِيبٌ مِنْ قَوْمِهِ ، وَلَعَلَّهُ أَبُوهُ ، وَمَعْنَاهُ أَشْبِهْ هَذَا أَوْ هَذَا ، وَلَا تَكُونُنَّ كَهِلَّوْفٍ . الْهِلَّوْفُ: الرَّجُلُ الْجَافِي الْعَظِيمُ . وَالْوَكَلُ: الضَّعِيفُ ، وَمَعْنَاهُ: لَا تَكُونُنَّ رَجُلًا ثَقِيلَ الْجِسْمِ مُسْتَرْخِيًا . يُصْبِحُ فِي مَضْجَعِهِ قَدِ انْجَدَلَ ، يَعْنِي وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ ، لِأَنَّ الْأَرْضَ تُسَمَّى الْجِدَالَةَ . وَارْقَ إِلَى الْخَيْرَاتِ: مَعْنَاهُ ، وَاصْعَدْ إِلَيْهَا . زَنَّأْ فِي الْجَبَلِ: أَيْ كَصُعُودِكَ فِيهِ وَمَعْنَاهُ أَنَّكَ تَعْلُو بِصُعُودِكَ إِلَى الْخَيْرَاتِ كَمَا تَعْلُو بِصُعُودِكَ فِي الْجَبَلِ . وَهَذَا لِسَانُ مَنْ قَدْ فُطِرَ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ وَلَمْ يَتَكَلَّفْهَا فَكَانَتْ أَلْفَاظُهُ حَقِيقَةً فِي مَعَانِيهَا . فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْدِلَ بِزَنَأَ فِي الْجَبَلِ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَلَا أَنْ يُعَلِّقَ الْحُكْمَ فِيهِ بِمَجَازِهِ ، وَلِأَنَّ زَنَأْتِ فِي الْجَبَلِ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الصُّعُودِ وَحَقِيقَةً فِي الْفَاحِشَةِ لَكَانَ مَا قُرِنَ بِهِ مِنْ ذِكْرِ الْجَبَلِ يَصْرِفُهُ عَنْ حَقِيقَةِ الْفُجُورِ إِلَى الصُّعُودِ ؛ لِأَنَّ الْقَرَائِنَ تَصْرِفُ حَقَائِقَ الْأَلْفَاظِ الْمُطْلَقَةِ إِلَى حَقَائِقِ قَرَائِنِهَا . أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وِثَاقٍ لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ ، وَإِنْ كَانَ يَقَعُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ، لِأَنَّ الْقَرِينَةَ بِقَوْلِهِ: مِنْ وِثَاقٍ قَدْ صَرَفَتْهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ إِلَى مَجَازِهِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ زَنَأْتِ فِي الْجَبَلِ ، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لَهَا: زَنَأْتِ وَلَمْ يُقِلْ فِي الْجَبَلِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ الْأَوَّلِ قَذْفًا ، وَكَانَ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ الثَّانِي قَذْفًا ، فَصَارَ عَلَى وَجْهَيْنِ ، وَفِيمَا أَوْضَحْنَاهُ مِنْ هَذَيْنِ الِاسْتِدْلَالَيْنِ انْفِصَالٌ عَمَّا تَقَدَّمَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ إِذَا اسْتَوْضَحَ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ ، أَوْ قَالَ: وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت