أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلِعَانِ كُلِّ وَاحِدَةٍ حُكْمًا فَلَمْ يَشْتَرِكْنَ فِيهِ . وَالثَّانِي: أَنَّ اللِّعَانَ يَمِينٌ ، وَالْأَيْمَانُ لَا تَتَدَاخَلُ فِي حُقُوقِ الْجَمَاعَةِ . وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: اسْتَحْلَفَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي رَجُلًا فِي حَقٍّ لِرَجُلَيْنِ يَمِينًا وَاحِدَةً فَاجْتَمَعَ فُقَهَاءُ زَمَانِنَا عَلَى أَنَّهُ خَطَأٌ . قَالَ الدَّارَكِيُّ: فَسَأَلْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيَّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنْ كَانَا ادَّعَيَا ذَلِكَ الْحَقَّ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، مِثْلَ أَنْ تَدَاعَيَا دَارًا وَرِثَاهَا عَنْ أَبِيهِمَا ، أَوْ مَالًا شَرِكَةً بَيْنَهُمَا ، حَلَّفَ لَهُمَا يَمِينًا وَاحِدَةً ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مِنْ جِهَتَيْنِ حَلَّفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْيَمِينِ وَكَانَ لِأَحَدِهِمَا حَقٌّ لَمْ يَحْنَثْ ، وَالْمَقْصُودُ بِالْيَمِينِ مَا تَمَّ الْحِنْثُ إِنْ كَذَبَ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ صَحِيحٌ ، وَحُقُوقُ الزَّوْجَاتِ هَاهُنَا مِنْ جِهَاتٍ مُشْتَرَكَةٍ مُخْتَلِفَةٍ ؛ لِأَنَّهُنَّ لَا يَشْتَرِكْنَ فِي زِنَاءٍ وَاحِدٍ ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَلْتَعِنَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ لِعَانًا مُفْرَدًا وَتَنَازَعْنَ فِي التَّقْدِيمِ ، أُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ وَقُدِّمَ مَنْ قُرِعَتْ مِنْهُنَّ لِاسْتِوَائِهِنَّ فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، فَإِنْ قَدَّمَ الْحَاكِمُ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ مِنْ رَأَى جَازَ وَإِنْ تَرَكَ مِنَ الْقَرْعَةِ مَا هُوَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُنَّ قَدْ وَصَلْنَ إِلَى حُقُوقِهِنَّ . وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَلْتَعِنَ مِنْ بَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ لَاعَنَ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ وَحُدَّ لِمَنْ بَقِيَ . فَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً حُدَّ لَهَا حَدًّا كَامِلًا ، وَإِنْ بَقِيَ اثْنَتَانِ حُدَّ لَهُمَا - عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ - حَدًّا وَاحِدًا ، - وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ - حَدَّيْنِ ، فَإِنْ وَقَعَ التَّنَازُعُ فِي تَقْدِيمِ اللِّعَانِ وَالْحَدِّ قُدِّمَ اللِّعَانُ عَلَى الْحَدِّ لِخِفَّتِهِ ؛ وَلِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ مُشْتَرِكٌ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَصَابَهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي رَمَاهَا فِيهِ فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ وَالْوَلَدُ لَهَا ، وَذُكِرَ أَنَّهُ قَوْلُ عَطَاءٍ قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ إِنَّمَا يَنْفِي الْوَلَدَ إِذَا قَالَ: اسْتَبْرَأْتُهَا ، كَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى نَفْيِ وَلَدِ الْعَجْلَانِيِّ إِذَا قَّالَ: لَمْ أُقِرَّ بِهَا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا قِيلَ: فَالْعَجْلَانِيُّ سَمَّى الَّذِي رَأَى بِعَيْنِهِ يَزْنِي وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ أَشْهُرًا وَرَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَامَةً تُثْبِتُ صِدْقَ الزَّوْجِ فِي الْوَلَدِ فَلَا يُلَاعِنُ وَيَنْفِي عَنْهُ الْوَلَدَ إِذًا إِلَّا بِاجْتِمَاعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ ، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا حُجَّتُكَ فِي أَنَّهُ يُلَاعِنُ وَيَنْفِي الْوَلَدَ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الِاسْتِبْرَاءَ ؟ ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قُلْتُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْآيَةَ فَكَانَتِ الْآيَةُ عَلَى كُلِ رَامٍ لِمُحْصَنَةٍ ، قَالَ الرَّامِي لَهَا: رَأَيْتُهَا تَزِنِي أَوْ لَمْ يَقُلْ: رَأَيْتُهَا تَزْنِي ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْمُ الرَّامِي وَقَالَ: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ فَكَانَ الزَّوْجُ رَامِيًا ، قَالَ: رَأَيْتُ أَوْ عَلِمْتُ بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ ، وَقَدْ يَكُونُ الِاسْتِبْرَاءُ وَتَلِدُ مِنْهُ ، فَلَا مَعْنَى لَهُ مَا كَانَ الْفِرَاشُ قَائِمًا".
فَصْلٌ: إِذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ فِي طُهْرٍ قَدْ جَامَعَهَا فِيهِ جَازَ أَنْ يَلْتَعِنَ مِنْهَا وَيَنْفِيَ وَلَدَهَا ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَصَابَهَا بَعْدَ الْقَذْفِ .