مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَلَوْ هُنِّئَ بِهِ فَرَدَّ خَيْرًا وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ إذا هنئ بولده . . فهل يعد ذلك إقرارا بنسبته إليه ؟ لَمْ يَكُنْ هَذَا إِقْرَارًا ؛ لِأَنَّهُ يُكَافِئُ الدُّعَاءَ بِالدُّعَاءِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَالتَّهْنِئَةُ بِهِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: جَعَلَهُ اللَّهُ لَكَ خَلَفًا صَالَحَا وَأَرَاكَ فِيهِ السُّرُورَ ، فَإِذَا أَجَابَ عَنْ هَذِهِ التَّهْنِئَةِ لَمْ يَخْلُ جَوَابُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَدُلَّ عَلَى إِقْرَارِهِ ، كَقَوْلِهِ: أَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَكَ وَرَزَقَكَ اللَّهُ مِثْلَهُ ، أَوْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِ: آمِينَ ، فَيَكُونُ بِهَذَا الْجَوَابِ وَأَمْثَالِهِ مُقِرًّا بِهِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الرِّضَا وَالِاعْتِرَافِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَدُلَّ عَلَى إِنْكَارِهِ كَقَوْلِهِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ ، أَوْ يَكْفِي اللَّهُ ، فَيَكُونُ بِهَذَا الْجَوَابِ وَأَمْثَالِهِ مُنْكِرًا لَهُ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ دُعَاءً لَا يَتَضَمَّنُ اعْتِرَافًا وَلَا إِنْكَارًا ، كَقَوْلِهِ: أَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاكَ وَبَارَكَ اللَّهُ فِيكَ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِقْرَارًا وَلَهُ نَفْيُهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْإِجَابَةُ بِالدُّعَاءِ رِضًا ، وَالرِّضَا إِقْرَارٌ بِمَنْعِهِ مِنَ النَّفْيِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الدُّعَاءِ بِالدُّعَاءِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ فِي التَّحِيَّةِ . قَالَ سُبْحَانَهُ: ( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) [ النِّسَاءِ: ] . فَصَارَ ظَاهِرُ جَوَابِ التَّحِيَّةِ دُونَ الرِّضَا وَالِاعْتِرَافِ ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَأَمَّا وَلَدُ الْأَمَةِ لمن ينسب فَإِنَّ سَعْدًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلَلْعَاهِرِ الْحَجَرُ فَأَعْلَمَ أَنَّ الْأَمَةَ تَكُونُ فِرَاشًا مَعَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ تَعْتَرِفُ لِسَيِّدِهَا أَنَّهُ أَلَمَّ بِهَا إِلَّا أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا ، فَأَرْسِلُوهُنَّ بَعْدُ أَوْ أَمْسِكُوهُنَّ وَإِنَمَا أَنْكَرَ عُمَرُ حَمْلَ جَارِيَةٍ لَهُ فَسَأَلَهَا فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَأَنْكَرَ زَيْدٌ حَمْلَ جَارِيَةٍ لَهُ ، وَهَذَا إِنْ حَمَلَتْ وَكَانَ عَلَى إِحَاطَةٍ مِنْ أَنَّهَا مَنْ تَحْمِلُ مِنْهُ ، فَوَاسَعَ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي امْرَأَتِهِ الْحُرَّةِ أَوِ الْأَمَةِ أَنْ يَنْفِيَ وَلَدَهَا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ الْأَمَةُ لَا تَصِيرُ فِرَاشًا حَتَّى يُعْلَمَ الْوَطْءُ ، فَتَصِيرَ فِرَاشًا بِالْوَطْءِ ، وَالْحُرَّةُ تَصِيرُ فِرَاشًا إِذَا أَمْكَنَ الْوَطْءُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ هُوَ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَمْلِكَ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا امْتَنَعَ أَنْ تَصِيرَ الْأَمَةُ بِالْمِلْكِ فِرَاشًا ، وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ تَصِيرَ الْحُرَّةُ بِالْعَقْدِ فِرَاشًا ، فَإِذَا ثَبَتَ"