إِلَى الْعَدَدِ ، وَهُوَ اللِّعَانُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَفْعَالِ مَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْعَدَدِ ، وَهُوَ الرِّضَاعُ ، وَتَحْرِيرُهُ: أَنَّهُ أَحَدُ فَرْعَيِ التَّحْرِيمِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ مَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْعَدَدِ كَالْأَقْوَالِ ؛ وَلِأَنَّ وُصُولَ اللَّبَنِ إِلَى الْجَوْفِ إِذَا عَرِيَ عَنْ عَدَدٍ لَمْ يَقَعْ بِهِ التَّحْرِيمُ كَالْحُقْنَةِ وَالسَّعْطَةِ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ يُوَافِقُ عَلَيْهِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [ النِّسَاءِ: ] يَقْتَضِي إِثْبَاتَهَا أُمًّا أَوَّلًا ثُمَّ تُرْضِعُ فَتَحْرُمُ ، وَلَيْسَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِهَا أُمًّا ، وَلَوْ قَالَ: وَاللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ هُنَّ أُمَّهَاتُكُمْ صَحَّ لَهُمُ اسْتِعْمَالُ الْعُمُومِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَقَدُّمِ الْوَصْفِ لِلْمَوْصُوفِ وَتَأَخُّرِهِ فِي اسْتِعْمَالِهِ عَلَى عُمُومِهِ مَا لَمْ يُرَدْ تَخْصِيصٌ ، وَقَدْ خَصَّهُ مَا رُوِّينَاهُ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي قَصَدَ بِهَا قَدْرَ مَا يَقَعُ بِهِ التَّحْرِيمُ ، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: قَضَاءُ اللَّهِ أَوْلَى مِنْ قَضَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَهُوَ كَمَا قَالَ: وَنَحْنُ إِنَّمَا خَصَّصْنَاهُ بِرِوَايَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ لِانْقِضَائِهِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْأَخْبَارِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ يَدْفَعُ أَنْ تَكُونَ الْمَصَّةُ مُحَرِّمَهً ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسُدُّ جُوعَهُ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا أَخْبَارٌ قُصِدَ بِهَا تَحْرِيمُ الرِّضَاعِ ، وَأَخْبَارُنَا قُصِدَ بِهَا عَدَدُ الرِّضَاعِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحْمُولًا عَلَى مَا قُصِدَ بِهِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى النِّكَاحِ وَالْوَطْءِ ، فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ تَحْرِيمٌ لَمْ يَرُدَّ عَنْ جِنْسِ الِاسْتِبَاحَةِ ، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْحَدِّ فِي الشُّرْبِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْمَشْرُوبَ مُحَرَّمٌ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْعَدَدُ وَاسْتَوَى حُكْمُ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ، وَالرَّضَاعُ يَحْدُثُ عَنْهُ التَّحْرِيمُ فَافْتَرَقَ حُكْمُ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْفِطْرِ ، فَمَعْنَاهُ مُخَالِفٌ لِمَعْنَى الرِّضَاعِ ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ يَقَعُ بِمَا وَصَلَ إِلَى الْجَوْفِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ ، وَلِذَلِكَ لَوْ خَرَجَ جَائِفُهُ أَفْطَرَ بِهَا ، وَالرِّضَاعُ يَحْرُمُ إِذَا غَذَّى وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ ، فَافْتَرَقَ أَكْلَتَيْنِ وَلَوْ أَنْفَدَ مَا فِي إِحْدَى الثَّدْيَيْنِ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْأُخْرَى فَأَنْفَذَ مَا فِيهَا كَانَتْ رَضْعَةً وَاحِدَةً ، وَهَذَا كَمَا قَالَ: لِأَنَّ تَحْرِيمَ الرِّضَاعِ إِذَا كَانَ مُحَدَّدًا بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ وَجَبَ تَحْدِيدُ الرَّضْعَةِ وَتَقْدِيرُهَا وَالْمَقَادِيرُ تُؤْخَذُ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: مِنْ شَرْعٍ أَوْ لُغَةٍ أَوْ عُرْفٍ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ حَدٌّ فَوَجَبَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ ، وَالْعُرْفُ فِي الرَّضْعَةِ أَنَّهَا مَا اتَّصَلَ شُرْبُهَا ثُمَّ انْفَصَلَ تَرْكُهَا ، فَإِنْ تَخَلَّلَ