كُلِّ ذِي قُرْبَى وَرَحِمٍ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ نَصَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ( وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) [ الْأَنْفَالِ: ] وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةَ امْرِىءٍ وَذُو رَحِمٍ مُحْتَاجٌ"، وَلِأَنَّهُ مُنَاسِبٌ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٌ فَوَجَبَتْ نَفَقَتُهُ مَعَ اتِّفَاقِ الدِّينِ كَالْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ ، قَالَ: وَلِأَنَّهُ مَالٌ مُسْتَحَقٌّ بِالنَّسَبِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَجَاوَزَ الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ كَالْمِيرَاثِ . وَاسْتَدَلَّ مَنْ نَصَّ عَلَى قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) [ مَرْيَمَ: ] . وَاسْتَدَلَّ مَنْ نَصَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ( وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ) [ الْبَقَرَةِ: ] ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ نَصَّ قَوْلَ أَبِي الْخَطَّابِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) [ الْإِسْرَاءِ: ] . وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مَعِي دِيناَرًا ، قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ ، قَالَ: أَنَا مَعِي آخَرُ ، قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ ، قَالَ: إِنَّ مَعِي آخَرَ ، قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى زَوْجَتِكَ ، قَالَ: إِنَّ مَعِي آخَرَ ، قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى عَبْدِكَ ، قَالَ: إِنَّ مَعِي آخَرَ ، قَالَ: اصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ ، فكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: يُقُولُ لَكَ ابْنُكَ: انْفِقْ عَلَيَّ إِلى مَنْ تَكِلُنِي ، وَتَقُولُ لَكَ زَوْجَتُكَ: انْفِقْ عَلَيَّ أَوْ طَلِّقْنِي ، وَيَقُولُ لَكَ عَبْدُكَ: انْفِقْ عَلَيَّ أَوْ بِعْنِي ، فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ مُتَوَجِّهًا إِلَى بَيَانِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ بِهَا النَّفَقَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ ذَوِي الْمَحَارِمِ بِخِلَافِ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَلَا الْعَصَبَاتِ بِخِلَافِ مَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَلَا الْوَرَثَةِ بِخِلَافِ مَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَلَا ذَوِي الْأَرْحَامِ بِخِلَافِ مَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ، فَصَارُوا مَحْجُوبِينَ بِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ كَالْأَجَانِبِ طَرْدًا وَالْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ عَكْسًا ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِمْ لِغِنًى بِهِمْ بِوُجُوبِ نَفَقَتِهِمْ عَلَيْهِ ، وَيَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى غَيْرِهِمْ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ لِفَقْرِهِمْ بِسُقُوطِ نَفَقَتِهِ عَنْهُ وَلِأَنَّ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ قِيَاسًا عَلَى الْأَبَاعِدِ ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يُنْفِقَ مِنَ الْكَسْبِ إِلَّا عَلَى الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ ، وَعَلَى أَبِي حَنِيفَةَ خَاصَّةً أَنَّ كُلَّ مَنْ لَا يَلْزَمُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ لَمْ يَلْزَمِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مَعَ اتِّفَاقِ الدِّينِ كَبَنِي الْأَعْمِامِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ أَبِي حَنِيفَةَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ( وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) فَإِبْهَامُ مَا يَكُونُ بِهِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ يَمْنَعُ مِنْ تَعْيِينِهِ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ ، فَإِنْ قِيلَ فَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ إِلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ ، قِيلَ هَذَا إِضْمَارٌ ، وَادِّعَاءُ