فهرس الكتاب

الصفحة 5677 من 8432

بِالْمُرَاضَاةِ ، فَجَازَ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهُ بِغَيْرِ مُرَاضَاةٍ .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ لَا يَقِفُ عَلَى مُرَاضَاةِ الْقَاتِلِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا يُوجِبُهُ قَتْلُ الْعَمْدِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُوجِبٌ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ مِنَ القَوَدِ ، أَوِ الدِّيَةِ ، وَكِلَاهُمَا بَدَلٌ مِنَ النَّفْسِ ، وَلَيْسَتِ الدِّيَةُ بَدَلًا مِنَ القَوَدِ ، وَالْوَلِيُّ فِيهِمَا بِالْخِيَارِ ، كَالْحَالِفِ مُخَيَّرٌ فِي الْكَفَّارَةِ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ وَالْعِتْقِ . وَوَجْهُ ذَلِكَ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَهُ قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ ، إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا ، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ وَتَخَيُّرُهُمْ بَيْنَ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَلًا مِنَ القَتْلِ كَالْكَفَّارَةِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الدِّيَةَ بَدَلٌ مِنْ نَفْسِ الْمَقْتُولِ دُونَ الْقَاتِلِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ قَتَلَتْ رَجُلًا وَجَبَ عَلَيْهَا دِيَةُ الرَّجُلِ ، فَلَوْ جُعِلَتِ الدِّيَةُ بَدَلًا مِنَ القَوَدِ صَارَتْ بَدَلًا مِنْ نَفْسِ الْقَاتِلِ دُونَ الْمَقْتُولِ ، وَلَوْ وَجَبَ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا قَتَلَتْ رَجُلًا أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا دِيَةُ امْرَأَةٍ ، إِذًا ثَبَتَ أَنَّ الدِّيَةَ بَدَلٌ مِنْ نَفْسِ الْمَقْتُولِ جَرَتْ مَجْرَى الْقَوَدِ فَصَارَا وَاجِبَيْنِ بِالْقَتْلِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ قَتْلَ الْعَمْدِ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ وَحْدَهُ ، وَهُوَ بَدَلُ النَّفْسِ ، فَإِنْ عُدِلَ عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ كَانَتْ بَدَلًا مِنَ القَوَدِ فَيَصِيرُ بَدَلًا عَنِ النَّفْسِ . وَوَجْهُهُ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الَّذِي يَجِبُ لَهُ الْقِصَاصُ وَحْدَهُ . وَالثَّانِي: أَنَّ قَتْلَ الْخَطَأِ لَمَّا أَوْجَبَ بَدَلًا وَاحِدًا ، وَهُوَ الدِّيَةُ اعْتِبَارًا بِالْمُتْلَفَاتِ الَّتِي لَيْسَ بِهَا مِثْلٌ ، اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ قَتْلُ الْعَمْدِ مُوجِبًا لِبَدَلٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ الْقَوَدُ اعْتِبَارًا بِالْمُتْلَفَاتِ الَّتِي لَهَا مِثْلٌ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ كَانَ الْقَوَدُ مُسْتَحَقًّا عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ وَتَرَتَّبَ اسْتِحْقَاقُ الدِّيَةِ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ . فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ قَتْلَ الْعَمْدِ مُوجِبٌ لِأَحَدِ شَيْئَيْنِ إِمَّا الْقَوَدُ أَوِ الدِّيَةُ فَلِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ فِي الِاخْتِيَارِ وَالْعَفْوِ سَبْعَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَخْتَارَ الْقَوَدَ ، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنَ الدِّيَةِ إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ ، فَإِنْ عَدَلَ عَنِ الْقَوَدِ إِلَى الدِّيَةِ اسْتَحَقَّهَا ، لِأَنَّهُ قَدْ عَدَلَ بِهَا عَنِ الْأَغْلَظِ إِلَى الْأَخَفِّ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت