فهرس الكتاب

الصفحة 5716 من 8432

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا تَوَالَتْ جِنَايَتَانِ فَأَزَالَتِ الثَّانِيَةُ مِنْهُمَا مَحَلَّ الْأُولَى ، مِثْلَ أَنْ يَقْطَعَ أَحَدُهُمَا يَدَهُ مِنْ مَفْصِلِ الْكُوعِ ، وَيَقْطَعُ الثَّانِي بَقِيَّتَهَا مِنَ الكَتِفِ أَوِ الْمِرْفَقِ أَوْ يَقْطَعَ أَحَدُهُمَا إِصْبَعَهُ وَيَقْطَعَ الثَّانِي بَقِيَّةَ كَفِّهِ ، أَوْ يَكُونَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي قَطْعِ الْقَدَمِ وَالسَّاقِ ، ثُمَّ يَمُوتُ الْمَقْطُوعُ وَدَمُهُ سَائِلٌ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمَا قَاتِلَانِ وَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ وَفِي النَّفْسِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْأَوَّلُ قَاطِعٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْيَدِ دُونَ النَّفْسِ . وَالثَّانِي: يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ دُونَ الْيَدِ ، احْتِجَاجًا بِأَنَّ السِّرَايَةَ تَحْدُثُ عَنْ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ ، فَإِذَا زَالَ مَحَلُّهَا زَالَتْ سِرَايَتُهَا لِانْقِطَاعِ مَادَّتِهَا ، أَلَّا تَرَى أَنَّ سِرَايَةَ الْأَكَلَةِ تَزُولُ بِقَطْعِ مَحَلِّهَا ، فَصَارَ انْقِطَاعُهَا كَالِانْدِمَالِ ، وَصَارَ الثَّانِي كَالْمُنْفَرِدِ ، أَوِ الْمُوجِئِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْقَاتِلَ دُونَ الْأَوَّلِ . وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ الْمَوْتَ بِالسِّرَايَةِ حَادِثٌ عَنْ أَلَمِهَا ، وَأَلَمُ الْقَطْعِ الْأَوَّلِ قَدْ سَرَى فِي الْحَالِ إِلَى الْجَسَدِ كُلِّهِ قَبْلَ الْقَطْعِ الثَّانِي ، فَانْتَقَلَ مَحَلُّهُ إِلَى الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ مَادَّةُ الْحَيَاةِ فَإِذَا حَدَثَ الْقَطْعُ الثَّانِي أَحْدَثَ أَلَمًا ثَانِيًا زَادَ عَلَى الْأَلَمِ الْأَوَّلِ ، فَصَارَ الْمَوْتُ حَادِثًا عَنْهُمَا لَا عَنِ الثَّانِي مِنْهُمَا ، كَمَنْ سَجَّرَ تَنُّورًا بِنَارٍ حَمِيَ بِهَا ثُمَّ أَخْرَجَ سَجَارَهُ وَسَجَرَهُ بِأُخْرَى تَكَامَلَ حِمَاهُ بِهِمَا لَمْ يَكُنْ تَكَامُلُ الْحَمِيِّ مَنْسُوبًا إِلَى السَّجَارِ الثَّانِي ، وَإِنْ زَالَتِ السَّجَارُ الْأَوَّلُ ، بَلْ كَانَ مَنْسُوبًا إِلَيْهِمَا ، كَذَلِكَ تَكَامُلُ الْأَلَمِ فِي الْقَلْبِ لَمْ يَكُنْ بِالْقَطْعِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ ، بَلْ كَانَ بِالثَّانِي وَالْأَوَّلِ . فَإِنْ قِيلَ: فَزِيَادَةُ الْأَلَمِ الْأَوَّلِ مُنْقَطِعَةٌ وَزِيَادَةُ الْأَلَمِ الثَّانِي مُسْتَدِيمَةٌ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ مَنْسُوبًا إِلَى الْأَلَمِ الثَّانِي لِاتِّصَالِ مَادَّتِهِ دُونَ الْأَلَمِ الْأَوَّلِ لِانْقِطَاعِ مَادَّتِهِ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي زِيَادَةَ الْأَلَمِ الثَّانِي وَقِلَّةَ الْأَوَّلِ ، وَلَيْسَ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ مَانِعًا مِنْ تَسَاوِيهِمَا فِي الْقَتْلِ ، كَمَا لَوْ جَرَحَاهُ فَكَانَتْ جِرَاحَةُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ أَلَمًا كَانَا سَوَاءً فِي قَتْلِهِ . وَالثَّانِي: أَنَّ انْقِطَاعَ أَسْبَابِ الْأَلَمِ لَا يَمْنَعُ مِنْ مُسَاوَاةِ مَا بَقِيَتْ أَسْبَابُهُ فِي إِضَافَةِ الْقَتْلِ إِلَيْهِمَا ، كَمَا لَوْ ضَرَبَهُ أَحَدُهُمَا بِخَشَبَةٍ وَجَرَحَهُ الْآخَرُ بِسَيْفٍ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي قَتْلِهِ ، وَإِنْ كَانَ أَثَرُ الْخَشَبَةِ مُرْتَفِعًا وَأَثَرُ السَّيْفِ بَاقِيًا ، وَفِي هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ دَلِيلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَانْفِصَالٌ عَنِ الِاعْتِرَاضِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ قَطْعِ الْأَكَلَةِ لِانْقِطَاعِ سِرَايَتِهَا فَالْمَقْصُودُ بِهِ قَطْعُ الزِّيَادَةِ دُونَ الْإِزَالَةِ ، وَأَنْ لَا يَسْرِيَ إِلَى مَا جَاوَزَهُ ، وَأَمَّا الِانْدِمَالُ فَلَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ زَوَالِ الْأَلَمِ ، وَالْقَطْعُ لَا يُزِيلُ الْأَلَمَ وَإِنَّمَا يَقْطَعُ زِيَادَتَهُ فَافْتَرَقَا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت