فهرس الكتاب

الصفحة 5801 من 8432

وَقَوْلُهُ: الْقَاتِلُ فِي الْحَرَمِ: يَعْنِي قَوَدًا وَقِصَاصًا ، لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْقَاتِلِ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: الْقَاتِلُ غَيْرُ قَاتِلِهِ وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ مُنْتَشِرَةٌ عَنْ حُرْمَةِ الْكَعْبَةِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ فِي الْكَعْبَةِ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ فِيمَا انْتَشَرَتْ حُرْمَتُهَا إِلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ الْحَرَمِ ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْآدَمِيِّينَ أَغْلَظُ مِنْ حُرْمَةِ الصَّيْدِ ، فَلَمَّا حُرِّمَ قَتْلُ الصَّيْدِ إِذَا لَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ كَانَ قَتْلُ الْآدَمِيِّ أَشَدَّ تَحْرِيمًا . وَدَلِيلُنَا عُمُومُ الظَّوَاهِرِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي الْقِصَاصِ وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا تَخْصِيصُ الْحِلِّ مِنَ الْحَرَمِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ قِصَاصٍ جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ فِي الْحِلِّ جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ فِي الْحَرَمِ كَالْقَاتِلِ فِي الْحَرَمِ وَلِأَنَّ كُلَّ قِصَاصٍ اسْتُوفِيَ مِنْ جَانِبِهِ فِي الْحَرَمِ اسْتُوفِيَ مِنْهُ إِذَا لَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ كَالْأَطْرَافِ ، لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَافَقَ عَلَيْهَا ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ كَانَ مَحَلًّا لِلْقِصَاصِ إِذَا جَنَى فِيهِ كَانَ مَحَلًّا لَهُ وَإِنْ جَنَى فِي غَيْرِهِ كَالْحِلِّ ، وَلِأَنَّ النَّصَّ وَارِدٌ بِتَحْرِيمِ الْهَجْرِ وَإِبَاحَةِ الْبَيْعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [ الْبَقَرَةِ: 275 ] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمَرَ أَبُو حَنِيفَةَ بِهَجْرِهِ وَهُوَ مَحْظُورٌ ، وَمَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ وَهُوَ مُبَاحٌ ، وَأَخَّرَ الِاقْتِصَاصَ مِنْهُ وَهُوَ وَاجِبٌ ، فَصَارَ فِي الْكُلِّ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [ آلِ عِمْرَانَ: 96 ] فَهُوَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْبَيْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا [ آلِ عِمْرَانَ: 96 ] . فَإِنْ قِيلَ: فَالْمُرَادُ بِهِ الْحَرَمُ . لِأَنَّهُ قَالَ: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [ آلِ عِمْرَانَ: 96 ] وَمَقَامُهُ خَارِجَ الْبَيْتِ لَا فِيهِ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ حَجَرٌ مَنْقُولٌ لَا يَسْتَقِرُّ مَكَانَهُ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِ وَضْعِ الْحَجَرِ فِي الْبَيْتِ ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْهُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا [ الْعَنْكَبُوتِ: 67 ] فَهُوَ دَلِيلُنَا لِأَنَّ مُقْتَضَى الْأَمْنِ أَنْ لَا يُؤَخَّرَ فِيهِ الْحُقُوقُ وَيُعَجَّلَ اسْتِيفَاؤُهَا لِأَهْلِهَا ، وَإِذَا أُخِّرَتْ صَارَتْ مُضَاعَةً فَخَرَجَ الْحَرَمُ عَنْ أَنْ يَكُونَ آمِنًا . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ وَقَوْلِهِ الْقَاتِلُ فِي الْحَرَمِ فَمَحْمُولٌ عَلَى ابْتِدَاءِ الْقَتْلِ ظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ دُونَ الْقِصَاصِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِقَتْلِ الْقِصَاصِ أَسْمَاءً هُوَ أَخَصُّ إِطْلَاقِهِ عَلَى غَيْرِهِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ أَعْتَى النَّاسِ وَلَيْسَ الْمُقْتَصُّ مِنْ أَعْتَى النَّاسِ ، لِأَنَّهُ مُسْتَوْفٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت